الرد على فوكوياما
عثمان محمد بخاش
http://www.annaharonline.com
تناول الحوار الذي اجراه السيد سام منسي مع فوكوياما (المنشور في قضايا النهار الاحد 15-12-2005) سلة واسعة من المواضيع احتلت مساحة صفحة بكاملها.
وقد كنا نود لو اتيحت لنا الفرصة لابداء الراي في جملة المواضيع التي اثيرت ولكن سنكتفي في هذا الرد بحصر النقاش في قضية نحسبها جوهرية واساسية وقد تعرض لها السيد فوكوياما عدة مرات في ثنايا اجوبته وكان العنوان - "المطلوب صيغة اسلامية للديمقراطية-المسيحية" - معبّرا عنها الا وهي الدعوة الى عصرنة الاسلام والى تطوير نظرة ليبرالية اسلامية تهدف الى اقتناع المتدينين (المتمسكين بتعاليم الدين) "بتحقيق معظم غاياتهم الدينية ضمن نطاق حياتهم الشخصية وليس من طريق فرض ارائهم الدينية على الاخرين من خلال ما لديهم من قوة سياسية"(كذا) ، وهكذا نصل الى "ديمقراطية اسلامية" شبيهة بالديمقراطية المسيحية التي حققت الصلح بين الكنيسة الكاثوليكية والديمقراطية بحسب طرح السيد فوكوياما.
والحق ان لا غرابة في طروحات السيد فوكوياما فهو يقوم بدوره بامانة متخذا لنفسه منبر المعلم او الموجه او المثقف المتنور الذي ينوء بعبء نشر رسالة الديمقراطية التي اعلن الرئيس الامريكي بوش انها رسالة السماء الى البشرية. مع انه قد سبق لفوكوياما ان تكلم علانية في مقابلة منشورة [1] بانه قد يكون الرئيس القادم لامريكا، ومن يدري فقد لايكون هذا ببعيد عنه ليكمل مسيرة زميله بوش.
والتاريخ الامبريالي القبيح للاستعمار الغربي مليء بالشواهد على اهمية "صراع الافكار" وعلى وجود طابور خامس وسادس وسابع ممن يسمونهم "مثقفين" كان دورهم باستمرار بناء وصياغة مبررات ثقافية فكرية تلبس لبوس الطهر والعفاف بينما هي في حقيقتها تشرعن "الداروينية الاجتماعية" التي تبرر لقادة الغرب زج شعوبهم في حروب مدمرة مجرمة تبيد الحرث والنسل ليس فقط بواسطة القنابل الذرية والنيوترونية او قنابل النابالم او الفوسفور الابيض او اليورانيوم، بل ايضا بواسطة القنابل المدمرة للسياسات الاقتصادية التي يفرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الشعوب المغلوبة على امرها. وهذا يذكرنا بمقولة"عبء الرجل الابيض" التي روّجها بالامس القريب رُديارد كيبلنغ حيث يرزح الرجل الابيض- طيب القلب- تحت احمال رسالة السماء في تمدين الشعوب الهمجية والاقل تطورا في السلم الدارويني. هذا العبء الذي سمح لداروين بتبرير المجزرة التي اباد فيها جنود الحضارة الغربية البريطانية الالاف من سكان تسمانيا في 1858 قائلا :" في الزمن القادم ستقوم الشعوب المتحضرة (اي الرجل الابيض) قطعا باستئصال الشعوب الهمجية"[2].
فهل لنا ان نسل لماذا يرفض السيد فوكوياما اعطاء الاسلام حق تطبيق نظامه ورسالته بينما يصر على اعطاء امريكا حق فرض بلطجتها وعهرها واجرامها ،مع اقراره بخلافه مع السيد بوش في اسلوب تنفيذ هذه السياسة، اذ يرى ان بعض سياسات بوش الخاطئة ادت الى تاليب الراي العام العالمي ضد الحرب الامريكية في العراق ، فهو يدعو الى سياسة اكثر نجاحا وبراعة من سياسة بوش الرعناء واذن –كما ذهب- لأمكن ان يكون العراق نموذجا باهرا لسائر دول المنطقة وبالتالي لرسالة الرجل الابيض- راعي البقر الجديد؛ تلك الرسالة التي عبر عنها السيد فوكوياما بكل غطرسة في المقابلة المذكورة " لقد حققنا في اميركا اضخم انتصار مع نهاية القرن العشرين: ابادة الشيوعية وسحق العراق ولا احد يشك الان في ان اميركا هي زعيمة العالم نحن الاقوى والاعظم" و "... اميركا لم تقم – كما يدعي البعض- على اشلاء اهلها الاصليين من الهنود الحمر والازتيك الذين كانوا يذبحون اطفالهم قرابين للالهة... ان وصول المهاجرين الاوروبيين الى اميركا لم يكن عملا بربريا بل كان انجازا حضاريا ، هل يمكن ان نتخيل سوء الاوضاع فيما لو ظلت اميركا ماهولة بتلك المخلوقات البدائية" (كذا)
وقد عبّر عن هذه الفكرة الرئيس بوش في جوابه حينما سئل ( في فيلادلفيا 12-12-2005) عن تقديره لعدد القتلى العراقيين قائلا : "...تقريبا 30000 (قتيل) اقل بقليل او اكثر بقليل..."[3] ولكنه حدد بدقة عدد القتلى الامريكان ب 2140 قتيلا
و اعترف المعنيون في البنتاغون بانهم لا يهمهم احصاء عدد القتلى العراقيين وانما يتابعون القتلى الامريكان فحسب. بينما كان الجنود الالمان اكثر "موضوعية وعقلانية" و امانة حين حرصوا على تدوين كل خصيصة تخص ضحاياهم المساقون الى افران الغاز؛ ومن الطريف ، وهذا مما يحسب لكفاءة وعلمية الحضارة الغربية العقلانية ، انه كان من الممنوع على الجنود الالمان اساءة معاملة اليهود في طريقهم الى غرف الغاز فعملية الابادة – يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري- "هذا النتاج الرائع لحضارة العلم والتكنولوجيا ، يجب ان يتم بحياد علمي رهيب"[4] وينقل الدكتور المسيري عن زيجمونت باومان قوله: " ... وقتل اليهود هو تجربة من ضمن تجارب اخرى في ادارة المجتمع بشكل (عقلاني) رشيد Rational ومحاولة منهجية ان يوضع موقف العلم التطبيقي وفلسفته ومبادئه في خدمة المجتمع". ذلك انه ،بموجب اللغة الداروينية، لا تتساوى حياة الف همجي مع حياة فرد من العنصر المتحضر ومن هنا نرى ان سلاح المدفع الرشاش اول ما صنع تمت تجربته في رحلات صيد الهمجيين، اذ لم يكن من المقبول عرفا ان يتم استعماله ضد اوروبي اخر يعتبر صنوا لحامل السلاح ، اما عندما يتعلق الامر بالشعوب البدائية فهذه لا تنطبق عليها معايير ومقاييس الاوروبيين[5]... وهذا ما يفسرماساتنا اليوم في فلسطين والعراق وافغانستان ، والتي ان هي الا محاولة اخرى لوضع رسالة الديمقراطية في خدمة المجتمع البشري بحسب السيد فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" فيا لها من خدمة!!! وهنيئا لمن يتنعم بثمارها وما على اهل الفلوجة وجنين وقانا وابي غريب وغوانتانامو وباغرام الا ان يغرقوا في مشاعر العرفان لسدنة البنتاغون الذين تعلموا الكثير من تجربتهم الخائبة في فيتنام وهم اليوم اكثر اصرارا وعزيمة على انجاح التجربة الاخيرة في بناء الشرق الاوسط الكبير والتي هي النموذج الامثل لقيام نظام عالمي جديد بشر به بوش الاب قبل الابن ، وليس فيه من جديد سوى تغيير بعض عناوين الشعارات الخادعة . ولقد كان هنتجتون اكثر موضوعية حينما اعترف دون مواربة بان "الغرب قد هيمن على العالم ليس بفضل تفوّق افكاره او قيمه او دينه وانما بتفوقه في استخدام العنف المنظم. وبينما ينسى الغربيون هذه الحقيقة فان غيرهم – غير الغربيين- لا ينسونها بتاتا" [6]
نعم ان فوكوياما يعبّر تعبيرا صادقا عن استمرارية الداروينية الاجتماعية – المتزاوجة مع الفلسفة الهيجيلية النيتشية - التي سبق لهتلر وستالين وترومان محاولة فرضها تحت مقولة "الحل الاخير" (لا فرق بين افران الغاز وتصفيات ستالين وقنابل هيروشيما وناغازاكي وagent orange ) وهو اليوم يعتبر ان الديمقراطية الليبرالية هي القدر المحتوم للبشرية، ومن لم يقتنع بها او وقف عثرة في وجه فرضها، فان السيد فوكوياما و اقرانه من المحافظين الجدد سيعملون على اقناعه بقنابل الليزر الذكية وصواريخ توماهوك كروز الذكية و القنابل النيوترونية التي تبدي اشد الحرص على الحفاظ على المباني بينما تكنس من الطريق بعض العوائق البشرية المتخلفة التي تنتمي للعصر البدائي و التي ترفض رسالة السماء الجديدة- القديمة، وهكذا سيعيش العالم – بزعم فوكوياما واقرانه من المحافظين الجدد- بسعادة ابدية لا ينغص عيش سماسرة الوول ستريت ولا الهة البنتاغون ولا اباطرة النفط بعض الاصوات النشاز(للمخلوقات البدائية بتعبير فوكوياما) التي تابى الا العيش بكرامتها وحريتها الانسانية وعقيدتها التي تؤمن بها. فان "الحل الاخير" لتلك الاصوات هي منتزهات ابي غريب وغوانتانامو وشبكة السجون السرية في اوروبا [7] واقبية مخابرات الانظمة الدكتاتورية في الشرق الاوسط الكبير التي انشاتها ودعمتها انظمة الديمقراطية العتيدة، حيث تقوم تلك المخابرات بما قد (قد؟) تتحرج عنه المخابرات المركزية الامريكية التي تحاول – في قيامها بدورها "الشرطي العالمي globo cop " في ترصد وخطف الاشرار في زوايا الارض- الابقاء على شيء من خرقة تستر بها عورتها وتدعي الطهر والعفاف والديمقراطية وحقوق الانسان... ولا يذكرنا رفض بوش الابن الاعتذار عن جريمة قصف المدنيين في افغانستان الا برفض ابيه الاعتذار عن اسقاط الطائرة المدنية الايرانية في 1987 والتي راح ضحيتها 242 مدنيا ايرانيا حين قال:" لن اعتذر عما جرى و لا تهمني حقيقة ما حدث" .. ولكن هيهات...
لقد سقط قناع "الحضارة الزائفة" واسفر عن حقيقة طغيان الهة النظام الراسمالي الجشع الذي لا يرحم حتى ابنائه. ولقد مررت الانظمة الغربية اثر احداث 11/9 قوانين شتى تزعم حماية امن المواطن بينما هي تنشيء في حقيقتها عالما اورويليا[8] يكاد يكون سورياليا. من ذلك مثلا انه بدءا من الشهر الجاري (1-2006) سيتعرض طالب الجنسية الالمانية الى تحقيق من قبل "بوليس الفكر" ليتاكدوا من انه لا يحمل افكارا تخرج عن النمط الالماني التقليدي وقد شرح شرح الناطق باسم وزارة الداخلية الالمانية هذا المنطق بقوله" اذا كان هناك من شك في ان الشخص الذي يطلب الجنسية الالمانية لا يعتنق مبادئنا وقيمنا الاساسية فان الغرض من التحقيق الجديد هو التثبت من ذلك" [9] ، وفي بريطانيا اوردت الاندبندنت تقريرا عن 16 شخصا احتجزوا في بريطانيا بموجب قوانين مكافحة الارهاب ، ذكر بعضهم فيه انهم – بعد 4 سنين في السجن- لم يوجه اليهم و لاسؤال واحد[10]
ومراجعة سريعة لعناوين الانباء بعد 11/9 تري بوضوح ان محاكم التفتيش الاسبانية قد عادت بزخم جديد ولكن حضاري هذه المرة وطبعا باسم القانون وما اختراع مصطلح" enemy combatant" عنا ببعيد.
ان نظرة التكبر والغطرسة لدى فوكوياما – وامثاله- هي التي تفسر مبادرته مع "مثقفين اميركان" اخرين الى الترويج لسياسات بوش وتبريرها عندما وجهوا (في شباط 2002) كتابهم المفتوح " من اجل ماذا نقاتل؟" "what we are fighting for".[11]
لقد سبق لفوكوياما ان ذكر في كتابه المشهور "نهاية التاريخ" ان عهد الاسلام قد انتهى اذ يقول :" وعلى الرغم من الحديث عن جاذبية الاسلام العالمية الا انه تبقى الحقيقة الواضحة والاكيدة وهي ان هذا الدين ليس له اي جاذبية خارج المناطق ذات الثقافة الاسلامية، فقد انتهت ايام الغزوات الثقافية الاسلامية، قد يكسب الاسلام احيانا اتباعا ساخطين على اوضاع معينة لكن لا جاذبية له لدى الشباب في برلين او طوكيو او موسكو ....و لا يستطيع المسلمون- مع انهم يشكّلون خمس سكان العالم، تحدي الديمقراطية الحرة على المستوى الفكري او النظري.."[12]
ولو كان عنده شيء من الموضوعية او الانصاف المتجرد لخرج على الملأ ليعلن توبته وتصحيحه لرأيه الخاطيء، ولكنه يابى الا المضي في غيه الى اخر الشوط برغم كل ما يراه من شواهد على صحوة المارد الاسلامي المكبل باصفاد سايكس بيكو ومعاهدات الامم المتحدة والسياسات الاستعمارية لدول الغرب، فنراه يدعو الى صياغة ديمقراطية اسلامية شبيهة بالديمقراطية المسيحية و مستوحاة منها.
ولا ندري ما اذا كان السيد فوكوياما عنّى نفسه بدراسة الاسلام فلعله لو فعل بانصاف وتجرد لانتهى به الامر الى اعتناق هذا الدين العظيم الذي حكم عليه بالاندثار في 1989 ولكنه يرى اليوم بام عينيه كيف ان عشرات الالاف من شباب اوروبا وامريكا (واكثرهم من النساء بحسب الدراسات، برغم كل الافتراء الذي لا يهدأ عن زعم قهر المراة المسلمة) يعتنقون الاسلام سنويا[13]. على كل حال ان يعتنق الاسلام او لا فهذا شانه، ولكن ليس من شانه البتة ان ينصب نفسه مرشدا ولا موجها لغيره هو الذي بيته من زجاج، فاولى به ان يحصن بيته قبل ان يفكر بمقارعة الاخرين. ونقترح عليه ان يبادر الى انقاذ ما امكن من ضحايا كاترينا قبل فوات الاوان. فقد ابت الطبيعة الا ان تفضح الداروينية الاجتماعية القائمة في صلب النظام الراسمالي المتغول حينما كشفت كاترينا عن المصير البائس لمن كانت بشرته من اللون الاسود. وقد وصل الامر ببعض الضحايا في افادتهم الرسمية امام لجنة الكونغرس، التي اوكل اليها التستر على الجريمة الفضيحة باسم التحقيق، ان يشبهوا الملجا المؤقت الذي حشروا فيه بانه كان كمخيمات افران الغاز النازية concentration camp[14]
عودة اخيرة الى دعوة السيد فوكوياما الى استحداث صيغة اسلامية للديمقراطية المسيحية تبنى على قاعدة ابقاء الدين مسالة شخصية يعود للفرد تقرير تفاصيلها بينه وبين خالقه (او الايمان بلا خالق اذا قرر ذلك) وتقبل العلمنة كنظام للحياة في الشان العام دون تدخل رجال الدين او الدين نفسه في الشان العام...
فاين يقف الاسلام من هذا الطرح؟؟
وهل يصح قياس الاسلام الذي يقول "الا له الخلق والامر" و "ونزلنا الكتاب تبيانا لكل شيء" و "ما فرطنا في الكتاب من شيء" على المسيحية التي تقول "اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
لا باس من توضيح سريع لمفهوم مغلوط شائع عند قليلي الفهم والاطلاع
فالكثير منهم يسارعون للقول انه ما من مجال للاسلام ولا للقران ولا لنص شرعي انزل قبل 1400 سنة ان يعلمنا كل شيء عن كيفية التعاطي مع الانفجار المعرفي والتكنولوجي والعلمي الذي تتسارع وتائره ساعة بساعة، وان التمسك بالنصوص الشرعية هو عين التحجر والجمود والانغلاق الذي ادى الى تخلف الامة وانحطاطها، وبعضهم يستشهد بقول الرسول الاكرم "انتم اعلم بشؤون دنياكم" فلم نقحم الدين في كل شاردة وواردة
فنقول لهذا وذاك: ان القران، وما جاء معه من السنة النبوية الشريفة، لم يات ليكون موسوعة في العلوم الطبيعية ولا ليرسم لنا الخطط التفصيلية لكيفية بناء محطات نووية او التواصل عبر البريد الالكتروني
وانما جاء القران ليعالج الانسان فحسب. وبحسب علمنا ،فاننا الى الان لم نر ما يثبت ان انسان اليوم يختلف عمن سبقه من البشر قبل 200 او 500 او 5000 سنة واما ترهات داروين فحين نجد تطورات عضوية في انسان اليوم او الغد تخرجه عما كان عليه اسلافه فسنبحث في واقعه حينذاك....
اما العقل البشري فهذه هي المعضلة الكبرى التي يتيه فيها الكثيرون برغم حسن نواياهم... ونقول نعم ان للعقل البشري ان يجول في الافاق ليبدع ما يستطيعه من وسائل مادية لتحسين مستوى معيشته وحياته
ولكن العقل البشري نفسه يعجزكل العجز عن تقدير القيم للاشياء والافعال...ولئن كان النظام الفلسفي العلماني يقدس الكفاءة اللامتناهية في الاجراءات الا انه يفشل فشلا ذريعا في اعطاء اي ميزان ثابت للقيم، طبعا هم لا يمانعون في جعل القيم سائلة مائعة تتشكل حسب العرف المتغير والظروف المستجدة... هكذا بزعمهم بينما حقيقة الامر انهم حريصون كل الحرص على التحكم في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس وافكارهم ومشاعرهم. ولكنهم بلغوا من الحذاقة والشطارة مبلغا يعرفون فيها كيف يتركون حيزا من "الحرية" بحيث يطلقون العنان للافراد ليغوصوا في الملذات البهيمية ، وكما قال احدهم " فان النظام لا يمانع ان تفعل ما تريد طالما انه غير مهم" بمعنى انك طالما درت في حدود الدائرة المرسومة لك فلا حرج لدى ارباب النظام العلماني المتغول ان يتركوك وشانك اما اذا بدر منك ما يشي بالخروج عن الدائرة فالويل والثبور لك ولامثالك. وكل هذا وذاك باسم القانون الجاهز ليعلب كيفما شاؤوا.
نعم ان دعوة السيد فوكوياما لا تكشف سوى عن جهل فاضح بطبيعة الاسلام وما بني عليه من وحي الهي غير خاضع لاهواء البشر الذين يحللون اليوم ما حرموه بالامس [15]...ان لب الامر في هذا البحث ودعوة فوكوياما ليست مسالة الديمقراطية، فهذه ليست اكثر من خرقة حمراء يستخدمونها لاثارة الثور الاحمر في لعبة مصارعة الثيران المشهورة، تحت زعم ان الديمقراطية هي الفردوس الموعود والجنة المفقودة، بينما تنهمر السهام المدمرة على الثور. وهم عادة يحاولون اختزال الديمقراطية بالية الانتخابات البرلمانية ومتفرعاتها ، بينما حقيقة الامر يدور حول السؤال: من المشرع؟؟ هل هو فلان وفلان من افراد لا يملكون ان يخرجوا من قصورهم البشري فضلا عن اهوائهم ومصالح من انتخبهم؟؟ وكل هذا وذاك عرضة للتغير والتبدل من مكان الى اخر او حتى في نفس المكان من زمن الى اخر او حتى من شخص لاخر؟؟؟ فاين الحق في كل هذا؟؟ ولماذا يحاكم ادولف ايخمان على جرائمه بينما يفر شارون وحكام امريكا من جرائمهم لا بل ويتوجوا ابطال الحرية برغم سجلهم الحافل بالاجرام؟؟ وهل لو انتصر صدام حسين واسر جورج بوش كان سيعرضه في قفص مهين للمحاكمة بدعوى الجرائم ضد الانسانية؟؟ كما انه لو انتصر هتلر لحاكم ترومان وتشرشل ...
طبعا هم يهربون من هذا السؤال بالقول ان "الحقيقة نسبية" وليست مطلقة، وبالتالي فلا ضير في تغيرها وانقلابها بين عشية وضحاها اذا كان هذا ما يتعارف عليه الناس. وهنا ينقل د المسيري عن باومان " ايخمان ارتكب افعالا يحصل المرء على نياشين من اجلها ان ربح، ويذهب الى المشنقة ان خسر، فالافعال ليست اخلاقية او لا اخلاقية في حد ذاتها...والنازيين قبل ان يبنوا افران الغاز حاولوا بناء على اوامر هتلر ان يبيدوا المتخلفين عقليا والمعاقين من خلال القتل الرحيم (ايوثينسيا) وان يساعدوا على تكاثر الجنس الارقى من خلال قيام رجال ارقى من الناحية العرقية بتلقيح نساء من المستوى العرقي نفسه. وقتل اليهود شانه شان كل هذه المحاولات هو تجربة من ضمن تجارب اخرى في ادارة المجتمع بشكل عقلاني رشيد ومحاولة منهجية ان يوضع موقف العلم التطبيقي وفلسفته ومبادئه في خدمة المجتمع"[16]
فالى اي ديمقراطية يدعونا السيد فوكوياما؟ الديمقراطية التي اوصلت هتلر الى الحكم؟ ام التي مكنت ترومان من القاء قنابله الذرية تحت غطاء القانون ام التي اوصلت بطل صبرا وشاتيلا الى سدة الحكم؟ اليست الديمقراطية المطبقة في العراق اليوم تحت حراب الاحتلال الاميركي هي نفسه تلك التي حاولوا فرضها في فيتنام تحت مقولة:" كان علينا ان ندمر القرية لننقذها" we had to destroy the village to save it ؟؟ و الا فكيف نفسر اجماع العالم المتحضر على الدعم اللامتناهي للاجرام الصهيوني في فلسطين بدءا من وعد بلفور الى هذه اللحظة؟؟
ام لعله يدعونا الى حضارة بورصة الوول ستريت المتحالفة مع جنرالات البنتاغون؟؟ ذلك المجمع المالي العسكري القائم على اغراق سدنته في الترف غير المسبوق والمستمد من مص دماء الطبقات المسحوقة في الغرب و ما يسمى بالعالم الثالث؟؟ وهل نسينا اباطرة انرون؟ وارثر اندرسون واصحاب البنوك الذين يديرون شبكة محكمة من التسلط المافياوي المغطى بخرقة القانون المزعوم؟؟ بينما جنرالاتهم ينثرون الدمار في العالم - او يهددون بذلك عبر سياسة العصا والجزرة المدعومة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ثم يحق لنا ان نتساءل عن عظمة الديمقراطية التي ضاقت ذرعا- في فرنسا- بحجاب شابة مسلمة فوجدوا فيه تهديدا لا يطاق على حضارتهم الهشة، ولم يكفهم ان المومسات يجاهرن بتقديم خدماتهن – التي هي جزء رسمي في العجلة الاقتصادية العلمانية وبالتالي تحسن ضمن حسابات الدخل القومي العام- كل هذا بينما الحزب الحاكم في فرنسا يتشبث بالقانون الذي يفتخر بالتاريخ الاستعماري لفرنسا ، ولعل في هذا فائدة جزئية علها توقظ الواهمين بالحضارة العقلانية المتنورة التي انطلقت من فرنسا، وهي نفسها التي جاءت احداث الشغب الاخيرة لتكشف عن بعض من الجو انب المظلمة للحضارة التي بنيت – بزعمهم- على شعارات "الاخوة، المساواة، و الحرية" مما اضطر رئيس الوزراء الفرنسي دي فيلبان الى تذكير شعبه بضرورة العمل على ارساء وترويج مفاهيم وقيم الجمهورية الفرنسية، مما يفرض التساؤل: وماذا كانت فرنسا تفعل طوال 230 سنة منذ انطلقت ثورتها؟؟
وياتي هذا الدعي ليعظ العالم الاسلامي بقوله
" لذلك أعتقد أنّ ما يحتاجه العالم الإسلامي حقيقة هو صيغة إسلامية للديموقراطية المسيحية تسمح للمواطنين بالتعبير عن تطلعاتهم الدينية في إطار سياسي. "
فاترك الجواب للسير توماس ارنولد في كتابه "الدعوة الى الاسلام" اذ يقول:" لم نسمع عن اي محاولة جرت لاكراه غير المسلمين للدخول في الاسلام، او لاي خطة منظمة للقضاء على المسيحية. ولو اراد الخلفاء تنفيذ هكذا خطة لاستطاعوا بكل يسر ان يقضوا على المسيحية تماما كما قضي على الاسلام في اسبانيا تحت حكم فرديناند وايزابيلا، وكما قضى لويس الرابع عشر باعدام كل من يعتنق البروتستانتينية، او كما منعت بريطانيا اليهود من دخولها لفترة 350 سنة"
ان دعوة السيد فوكوياما تذكرني بما قاله استاذه Allan Bloom الان بلوم :
"ان الدكتاتورية الاكثر نجاحا ليست تلك التي تستعمل القوة لتفرض نمطا واحدا للعيش، وانما هي تلك التي تحول دون الوعي على وجود خيارات اخرى(خارج الدكتاتورية)، والتي تفرض ادراكا باستحالة وجود طرق اخرى ممكنة للعيش، وهي التي تزيل اي شعور بان هناك "بديل في الخارج" (عن الاطار الذي تتحكم فيه الدكتاتورية)[17]
فما دعوته الا محاولة يائسة لصرف اذهان الناس عن حقيقة قدوم الخيار الاسلامي الذي قد لاحت تباشيره ولن ينفع قادة البنتاغون ولا ساسة البيت الابيض سحرهم ولا بطشهم في الحيلولة دون الفجر الجديد، والاولى بفوكوياما ، ان كان لديه شيء من حرية الفكر ان يناقش الفكرة بالحجة والبرهان ولا يتلطى وراء القنابل الذكية ومنطق الغاب فهذه حجة مفلسة ، وكما قيل فقد يتمكن المرء من خداع بعض الناس لبعض الوقت ولكنه لن يتمكن ابدا من خداع كل الناس كل الوقت
اخشى ان اكو ن قد اطلت مع ادراكي ان هناك قضايا اخرى تحتاج لتسليط الضوء عليها لعلنا نفرد لها مقالة او مقالات لاحقة
"والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون".
[1] - مقابلة مع فوكوياما منشورة في مجلة القاهرة عدد 117 اب 1992 ص 32-35 .
[2] نقلها الفين توفلر في كتابه "الموجة الثالثة" ص 92 .
[3] بيتر بيكر "Bush estimates Iraqi death toll in war at 30000" واشنطن بوست 13-12-2005
[4] د. عبدالوهاب المسيري، ود. عزيز العظمة، "العلمانية تحت المجهر" – دار الفكر 2000 ، ص- 106
[5] "الموجة الثالثة" ص 78 .
[6] عابد مصطفى "why the west has lost the ideological war against muslims?" الجزيرة.نت 1-3-2005
[7] بحسب السيدة رايس وزيرة الخارجية الامريكية فان على القادة الاوروبيين ان يتذكروا ان التحقيقات التي اجريت في هذه السجون السرية قد ساهمت في انقاذ ضحايا اوروبيين، قبل ان يشتكوا من وجود شبكة السجون السرية- "Rice chides Europeans on detention center complaints" msnbc.com 5-12-2005
[8] نسبة الى جورج اورويل صاحب "1984" المشهورة
[9] "MUSLIMS IN Germany face new persecution under "thought crimes"tests " www.khilafah.com-
13-1-2006
[11] www.americanvalues.org
[12] فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" ترجمة د. حسين الشيخ- دار العلوم العربية بيروت 1993 ص 61
[13] انظر عابد مصطفى اعلاه
[14] "Katrina victims blame racism for slow aid"" www.msnbc.msn.com/id/10354221 6 -12-2005
[15] و لا نحتاج لاكثر من التذكير ان الدستور الاميركي الذي استهل بمقولة ان كل البشر ولدوا متساووين في الحقوق احتاج لمئة سنة قبل ان يمنح السود الجنسية الامريكية، وان الكونغرس الاميركي قد اضطر ان يلغي قانون تحريم الخمر بعد عبث سنين من محاولة فرضه
[16] "العلمانية تحت المجهر ص 108
[17] From facts to values- by M. Banaei and N. Haque P 238."
the most successful tyranny is not the one that uses force to assure uniformity but the one that removes the awareness of other possibilities, the one that makes it seem inconceivable that other ways are viable, the one that removes the sense that there is an outside
"النهار"
الاحد 15 كانون الثاني 2006
حوار مع فوكوياما
المطلوب صيغة إسلامية للديموقراطية – المسيحية
اجرى الحوار سام منسّى - واشنطن
http://www.annaharonline.com/htd/KADAYA060115.HTM
ماذا بقي من صرخة فوكوياما بالانتصار بعد سقوط جدار برلين، هل محت الحرب في العراق ونمو عنف حركات الاسلام السياسي فكرة الانتصار هذه وينبغي الرجوع عن مقولة نهاية التاريخ؟
- أوّلا أعتقد أنه ينبغي فهم فكرة نهاية التاريخ فهما صحيحا، فهي ليست نهاية الأحداث بسبب أننا نشهد بطبيعة الحال الكثير من الأمور التي تجري نصب أعيننا في الوقت الراهن. فهي في حقيقة الأمر قصة تيار التمسك بروح العصر أو "العصْرَنَة" بسبب مفهوم التاريخ الذي استخدمته، أي أنها عملية ضخمة تمخّضت عن تلاحق قرون عدة لدى مجتمعات بدأت من ممارسة الصيد إلى الزراعة ثمّ المرحلة الصناعية وبعدها مرحلة ما بعد التصنيع، وذلك على أساس أنها نتيجة تطور العلم المعاصر. ولعل التساؤل هو إلى أين تؤدّي تلك العملية؟
واليوم، ومنذ مئة عام في الغرب، يعتقد المواطنون أنها تمهّد لنوع من الاشتراكية أو الشيوعية. وبعد عام 1989، لاحظت ببساطة أننا لم نكن نتحرّك في ذلك الاتجاه، بل تبيّن أنّ الديموقراطية الليبرالية هي النظام السياسي الذي أصبح سمة غالبية المجتمعات المعاصرة. وأعتقد أنه على الرغم مما حدث منذ انهيار جدار برلين، لم يكن هناك نموذج حقيقي يتبنّاه أيّ مجتمع معاصر كبديل من اي مرحلة من مراحل الديموقراطية.
هل الصراع اليوم الذي يسم العلاقات الدولية هو صراع حضارات ام صراع عقائد: بين الاسلام والغرب ام بين الليبرالية والاستبداد؟
- أعتقد أن من الخطأ الجسيم الاعتقاد أنّ النزاعات الراهنة في العالم هي صراعات حضارية أو صراعات بين المعتقدات الدينية بسبب إيماني بأنّ من الممكن تفسير أو تأويل الدين كما حصل بالفعل من خلال اعتبارات سياسية متباينة إلى حد كبير. وهذا ما يجعلني ألاحظ أنه صدَام بين إيديولوجيات. وأعتقد مثلا أنّ الاتجاه الإسلامي أو التيار الجهادي العنيف الذي يتبنّى مجموعة أفكار، وغالبيتها أفكار معاصرة أو أنها خلاصة لطريقة معاصرة تبنّتها بعض المنظمات للتفكير بشأن العالم.
لكن من الممكن تفسير الإسلام كدين بطرق مختلفة جدا. وإذا ما عدنا إلى الماضي حوالى خمسة وسبعين عاما، مثلا أثناء بداية الفاشية في أوروبا، سنجد أن هناك نظاما متسامحا أكثر في مدن معينة كاسطنبول التي كانت قلب العالم الإسلامي أكثر من ألمانيا أو بلجيكا أو اي منطقة في ما يعرف بأوروبا الليبرالية. لذلك أعتقد أن حقيقة الأمر ليست صداما ثقافيا بأي معنى، بل هي مجرد اقتتال إيديولوجي.
هل الاسلام يلعب اليوم دورا دينيا ام عقائديا؟
- من الصعب إلى حدّ ما التمييز بين الإسلام كدين والإسلام كمجموعة أفكار، وبالطّبع هما مرتبطان ببعضهما البعض وهناك إمكان لتسخير أفكار دينية لخدمة غايات سياسية. ولكنّي مع ذلك أعتقد أن هذا الوضع هو على غرار تاريخ المسيحية في أوروبا من حيث استخدام أفكار دينية في تعزيز نظام التسامح.
ففي إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي، قرروا طرد جميع اليهود والمسلمين ضمن تطبيق متشدد للمُثُل المسيحية، ويمكن تفسير ذلك بذهن متفتح كما هي الحال اليوم في أوروبا المعاصرة. وأعتقد أن الملاحظة نفسها صحيحة اليوم وبالطبع تختلف الأفكار الإسلامية عن مثيلاتها المسيحية، لكن كل تلك الأفكار قابلة لتأويلات مختلفة.
انت تدعو لاعادة صوغ سياسة اميركية خارجية هل لانها لم تعد صالحة لهذا الزمن وهذه الاوضاع؟
- "أصبحت السياسة الخارجية الأميركية في وضع استثنائي عقب انهيار الشيوعية بسبب أن أميركا تحولّت بذلك الى قوة تكرّس الهيمنة من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية. وأعتقد أنّنا شعرنا بالحيرة خلال عشرة أعوام بشأن كيفية استخدام تلك القوة.
وبعد هجمات الحادي عشر من أيلول، كانت هناك فكرة تروج بين أعضاء حكومة الرئيس بوش تفيد بأن هناك مشاكل في العالم وأن بإمكان الولايات المتحدة تكريس نوع من الهيمنة الخيّرة والسخية لتسوية تلك المشاكل، وبرزت بذلك قضية امتلاك صدام حسين أسلحة نووية كإحدى أضخم تلك المشاكل، لكن هناك قضايا مماثلة كالبرنامج النووي لدى كوريا الشمالية وقضايا أخرى على هذا القياس.
وأعتقد أنّ المشكلة تكمن في أنّ بقية العالم لن تؤمن بالبعد الخيّر لتلك الهيمنة، وقد لاحظنا ذلك في بداية الحرب في العراق عندما اعتقد الأميركيون من خلال حسن النية أنهم كانوا يخوضون الحرب نيابة عن الشعب العراقي. لكنّي أعتقد أنّ من الصعب جدا خاصة في العالم العربي إقناع أيّ شخص بتلك الرؤية، ناهيك عن الدول الأخرى، حتى أبرز حليفات الولايات المتحدة في أوروبا، حيث انتشرت مشاعر الشك والريبة في الذرائع الأميركية، وكذلك عدم الارتياح لقدرتنا في تطبيق تلك السياسة حسب اعتقادي .
كيف تفسر عامل عدم الثقة باهداف الادارة الاميركية الحالية والذي تقول انه كان وراء الفشل في الحصول على شرعية الامم المتحدة عند بداية الحرب على العراق؟
- أعتقد أنّ الردّ على الهيمنة الأميركية بدأ قبل تولّي حكومة الرئيس بوش السلطة أثناء تنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة مثلا كردّ على تيار العولمة. وفي اعتقادي أن الاميركيين كانوا ينظرون إلى ذلك التحول خلال سنوات حكم الرئيس كلينتون، على أنه نوع من محاولة اميركا إعادة صوغ الاقتصاد العالمي والثقافة العالمية. لذلك كانت المعارضة للإرادة الأميركية موجودة أصلا، لكنّ حكومة الرئيس بوش أضافت أمورا أخرى إلى تلك المشاعر السلبية من خلال أسلوب تعاملها مع بقية العالم.
ما هو السبب وراء المشاعر المعادية لاميركا؟
- أعتقد أن جزءا من الجواب على ذلك يكمن في رد فعل حتمي على اي دولة تكون مهيمنة في عدد كبير من مناطق العالم. وفي نظري ينبغي علينا نحن الاميركيين قبول الرفض الذي يعبر عنه مواطنو بعض الدول خاصة أن الولايات المتحدة تستطيع التأثير على عدد من الدول. وبمقدرونا تغيير الأنظمة الحاكمة في بعض الدول على بعد آلاف الأميال مثلما حدث في أفغانستان، ولا تستطيع أيّ دولة اخرى فعل ذلك في الولايات المتحدة. وأعني أنّ مواطني العالم لا يمكنهم التصويت في الانتخابات الاميركية وإن كانوا يشعرون أنّ القوة الأميركية تؤثر فيهم. أعتقد أنّ هذه هي المشكلة الباطنية، كما أنّ هناك بعض المشاكل الثّقافية وأيضا ردود الفعل على أسلوب حكومة الرئيس بوش فضلا عن بعض السياسات التي تتبعها الحكومة الحالية ، وهي تساهم في اعتقادي في تلك المشاعر المعادية للولايات المتحدة. فلو كان من الممكن أن ينظر العالم الى العراق كتدخل أميركي ناجح، فإنّ ذلك كان سيمهدّ لرد فعل أقلّ عدائية إزاء السياسة الأميركية.
في ضوء التطورات الاخيرة في الاتحاد الاوروبي، من الدستور الى احداث الشغب في فرنسا ودلالاتها، هل مصلحة اميركا في اوروبا قوية ام ضعيفة؟
- أعتقد أنّ الولايات المتحدة أبدت موقفا تفضيليا وبشكل تقليدي لأوروبا القوية بسبب إحساس الأميركيين حسب اعتقادي أنه ينبغي أن تتولى أوروبا تسوية سلسلة من المشاكل على أساس أنها أنفقت ما يكفي في مجال الدفاع وبوسعها الآن التعامل مع قضايا الأمن.
لقد كانت قضية البلقان في التسعينات مثلا قضية أوروبية وكان من المفترض ان تتم معالجتها من قبل الأوروبيين أنفسهم. وبدلا من ذلك، شعرت أميركا أن عليها أن تتدخل في اتجاه عقد "مؤتمر دايتون" بولاية أوهايو لإنهاء حرب البوسنة ثم إخراج الصرب من كوسوفو، وهو أمر استدعى تدخل جنرال أميركي وقوة عسكرية أميركية. لذلك أعتقد أنّ الولايات المتحدة أيّدت عمليا قيام أوروبا قوية ومتماسكة نسبيا، وبالطّبع ليس لعرقلة المبادرات الأميركية، ولكني أعتقد أننا شعرنا بشكل اعتيادي أن أوروبا إذا كانت قوية ومتحدة ستكون شريكا أفضل ممّا لو كانت ضعيفة ومنقمسة.
هل ترى نافذة للاصلاح في العالمين العربي والاسلامي دون اصلاح ديني؟
- أعتقد أنّ الاصلاح الديني أمر مهمّ، لكني أستحضر بُعدا آخر من حيث وجود تعددية في الأصوات، أعني الأصوات الدينية خاصة في أرض الإسلام حيث لم يوجد مبدأ محوري يتبلور بالطريقة التي انتشرت بها أفكار الكنيسة الكاثوليكية التي تتمحور حول عقيدة كاثوليكية واحدة. كانت هناك دائما طائفة متنوعة من الاجتهادات لتفسير الإسلام.
وأعتقد أن من الممكن في هذا المنحى التحوّل الى تطبيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية محددة واعتبار عملية الاصلاح ذاتها ببساطة تحديا سياسيا بسبب وجود قدر من المجازفة في التفكير، حسب تصوّري، ذلك أن قيام أيّ ثورة ثقافية في إطار ديني قد يصيب المجتمعات العربية والإسلامية بالشلل أكثر من تطبيق الأمور التي تحتاج إليها. مثال ذلك جنوب شرق آسيا حيث توجد مجتمعات اسلامية كبيرة العدد في اندونيسيا وماليزيا وبروناي حيث بدأ تطبيق سياسات اقتصادية ناجحة للغاية.
فقبل ثلاثين عاما، كانت أندونيسيا واحدة من الدول الأكثر نجاحا في مكافحة الفقر قبل الانتكاسة الاقتصادية الكبيرة خلال عامي 1997 و1998. لكنها الآن واحدة من أكثر الدول الاسلامية من حيث الكثافة السكانية وهي أيضا تجربة ديموقراطية جديدة وناجحة نسبيا. قد نختلف في الرأي حول مدى تباين شكل الدين بين أندونيسيا والعالم العربي وهذا أمر صائب، لكني أعتقد أن تطور أندونيسيا لم يتطلّب قيام حركة دينية من أجل تطبيق الاصلاحات السياسية المنشودة.
اذا صح ما تقوله، لماذا وبالرغم من الثروة النفطية في العالم العربي لم نرَ نموا مشابها لكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا ما السبب وراء ذلك؟
- أعتقد أن ثروة النفط شكّلت عائقا للتنمية، وهناك قضية مثيرة يتحدث عنها خبراء الاقتصاد وهي "لعنة الموارد الطبيعية". وإذا ما تأمّل المرء العالم، سيجد أنّ غالبية الدول النامية التي تتمتع دون استثناء بموارد طبيعية ضخمة كآبار النفط ومناجم الذهب والماس، لم تحقق الكثير في مجال التنمية.
والسبب في ذلك أنها لا تتقدم جيدا لاتكالها على أن الثروة تأتي إليها دون بذل أي جهود، ودون الحاجة لبناء مؤسسات عصرية تستطيع أن تنتج الثروة من خلال نشاط سكانها أنفسهم. وعلى كل حال، فإن فكرة الاعتماد على الموارد الطبيعية تُبعد الحاجة لتطبيق الاصلاحات المنشودة سواء في اتخاذ القرارات السياسية او في تطبيق السياسات الإقتصادية او حتى في إصلاح أداء المؤسسات.
وأعني بذلك، أنه إذا تأمل المرء أوضاع بلد ما كاليابان، موطن أجدادي، فإنه يكتشف أنه دولة لا تتمتع بثروة النفط أو الماس ولا أي ثروة أخرى سوى سواعد رجالها ونسائها الذين كانوا على مستوى جيد نسبيا من التعليم قبل الحقبة الراهنة. واليابان اليوم هي ثاني أكبر الانظمة الاقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة بسبب قدرة سكانها على خلق مؤسسات فعالة.
هل المشكلة اذن عند العرب وليست في الاسلام؟
- لا أودّ توجيه اللوم الى جماعة محددة، ولكني أعتقد أنّ من الممكن أن يكون هناك اختلاف بين ثقافة سياسية عربية قائمة بذاتها وثقافة اسلامية شاملة في ظل وجود حالات ناجحة وإن كانت قليلة في مجال التنمية الاقتصادية، او قيام تجارب ديموقراطية في دول ليست عربية اسلامية. فتركيا مثلا تتمتع بديموقراطية ناجحة نسبيا، كذلك الأمر في أندونيسيا وماليزيا اللتين تشهدان توسعا اقتصاديا سريعا. وقد تكون هناك عراقيل ثقافية في وجه التحديث لكنها ليست مرتبطة بأي رباط مع الدين.
برنارد لويس قال في وصف محاولة نقل الديموقراطية الى منطقة الشرق الاوسط بأن الديموقراطية ستظل نبتة غريبة وذابلة عند شعوب الشرق الاوسط بسبب ثقافتهم السياسية التي تحل فيها قيم الطاعة والايمان والجماعة بدل الحرية والمواطنة والفردية وانه لا مستقبل للديموقراطية اذا لم تكن مصحوبة بقرينتها العلمانية، هل توافق لويس على توصيفه؟
- البروفسور لويس يفكّر حقيقة في تجربة تركيا كنمودج منذ تأسيسه على يد أتاتورك كنظام ديموقراطي دنيوي متكامل، وليس كديموقراطية بل كدولة عصرية تقوم على اساس صيغة من النموذج الدنيوي العصري في أوروبا. وفي اعتقادي أنها ليست الطريقة الوحيدة لتحقيق الديموقراطية لأن تركيا نفسها الآن تشهد صحوة إسلامية قوية من خلال حكمها من قبل حزب اسلامي معتدل هو حزب "العدالة والتنمية". ولا ينطوي هذا الوضع في نظري على تضييق الخناق أو إلغاء الدين كلية، بل هو طريقة أخرى نحو الديموقراطية من خلال تنامي نزعة التسامح وقبول الحزب الحاكم بالمبادئ الديموقراطية.
وفي أوروبا مثلا، كانت الكنسية الكاثوليكية في حالات عدة في الواقع حتى الستينات من القرن الماضي خصما للديموقراطية المعاصرة. وخلال الحرب الاهلية في إسبانيا، كانت الكنسية الكاثوليكية في صفّ الفاشيين، ولم تحقق المصالحة مع الديموقراطية الاّ مع ظهور الديموقراطية المسيحية المعاصرة في ايطاليا واسبانيا ودول أخرى.
لذلك أعتقد أنّ ما يحتاجه العالم الإسلامي حقيقة هو صيغة إسلامية للديموقراطية المسيحية تسمح للمواطنين بالتعبير عن تطلعاتهم الدينية في إطار سياسي، ولكن بما يتمشّى مع التعددية والتسامح ومن خلال منافسة دستورية مسالمة بين مختلف وجهات النظر، وبمعنى آخر ديموقراطية يكون فيها مجال لتأثير الدين كما هي الحال في أوروبا المعاصرة.
استنادا الى التجربة التركية هل علمنة الإسلام ودفع الاجتماع الإسلامي بشكل عام ليقترب من نمط الاجتماع المدني القائم على فصل الدين عن الدولة امر متوقع او ممكن في المستقبل المنظور؟
- الأمر يعتمد على ما تقصده بفكرة الفصل بين الدين والدولة، وأعتقد أنّ غالبية الدول أقرّت قدرا من المشاركة السياسية للجماعات الدينية. وكما ذكرت من قبل فإنّ الديموقراطية المسيحية تتمسك بمواقف قوية في مناحي التعليم وقضايا أخرى كالأبحاث الطبية، وتستخدم السياسة بالتالي لخدمة أهدافها. لكنّي أعتقد أن من الأمور الاساسية أن على الجماعات والهيئات الدينية ان تقبل بنظرة ليبرالية بسيطة للسياسة تقوم على فكرة ممارسة العمل السياسي من خلال التعددية، ولن يكون هناك إقرار لمنطلق واحد إزاء القضايا العامة بداية بالتعليم ونهاية بالسياسة الاجتماعية.
ومن المؤكد أنّه يتعين وجود مناخ ديموقراطي للتنافس بين مختلف التصورات حتى لو كانت لدى الشخص المتدّين معتقدات راسخة. وأعتقد أنّ هناك أشخاصا متديّنين للغاية في غالبية المجتمعات، لكنهم مقتنعون بأنه يمكن تحقيق معظم غاياتهم الدينية ضمن نطاق حياتهم الشخصية، وليس من طريق فرض آرائهم الدينية على الآخرين من خلال ما لديهم من قوة سياسية.
هذه النقطة تقودنا، الى موضوع المواطنة والامة، الى الامة الاسلامية الواحدة وكيفية التوفيق بين ان تكون مواطنا فرنسيا مثلا ومسلما في آن واحد، اي الى مقاربة موضوع اندماج المهاجرين لاسيما العرب والمسلمين في الدول المضيفة خصوصا الغربية منها. كيف تنظر الى هذه القضية؟
- أعتقد أن المشكلة في أوروبا هي أن الطرفين معا يتحملان الخطأ، وينبغي أن يقبل المهاجر الجديد القادم الى مجتمع منفتح وديموقراطي وعصري أن هناك تعددية وأن ثقافته ودينه سيكونان جزءا من عدة ثقافات وأديان مجتمعة، وأعني بذلك أن أي مجتمع عصري هو في حدّ ذاته مجتمع التعددية الثقافية. وأعتقد أن أوروبا تشهد مشكلة أسوأ من الولايات المتحدة أو مناطق أخرى في النصف الغربي للكرة الأرضية. والسبب في ذلك أنّ هناك تكريسا لفكرة المواطنة على أساس أنها يمين يستند الى تركيبة الأقليات. في ألمانيا مثلا لم يتم تعديل قانون الجنسية الا في عام 2000. وقبل ذلك، كان يتعين أن تكون والدتك ألمانية حتى تكون لك أهلية الحصول على الجنسية الألمانية. وحتى أبناء الجيل الثالث من أصل تركي ممن يتحدثون الالمانية بطلاقة لم يحصلوا على الجنسية الألمانية فيما يتمتع بها الروس المتحدرون من اصل ألماني وإن كانوا لا يتقنون الألمانية.
اعتقد أن هذا خطأ من جانب الأوروبيين من حيث أنهم لا يؤسسون لمجتمعات يشعر فيها المهاجرون بالترحيب والقبول بهم كأعضاء منتجين في مجتمعهم الجديد، و يُنظر إليهم بالتالي كمواطنين يتمتعون بحقوق متساوية في الهوية الوطنية لتلك الدول.
عدم انصهار المهاجرين او اندماجهم هل افهم انه من مسؤولية الدول المضيفة؟ ام ان المهاجرين يتحملونها ايضا؟
- أعتقد أنّ المسؤولية تقع على عاتق كلّ من البلد المضيف والمهاجر في آن واحد. ويتعيّن على البلد المضيف التشجيع على الشعور بهوية وطنية ينتمي إليها المهاجرون ويتطلعون إليها ربما على مستوى الجيل الأول، لكن من المؤكد أن تتم بالفعل على مستوى الجيلين الثاني والثالث.
وأعتقد أن المسؤولية تقع أيضا على عاتق المهاجر نفسه الذي يستقر في بلد جديد وينبغي أن يظهر الرغبة في الانتماء الى وطنه الجديد، وأن يكون عنصرا من عناصر ذلك المجتمع لقبول الشروط البسيطة للعقد الاجتماعي. وإلاّ، فما هي الغاية من الهجرة أساسا؟ لماذا لم يبق المهاجر في بلده حيث يشعر بالإرتياح ازاء ثقافته العامة؟
لذلك أعتقد أنّ هناك التزاما يفرض نفسه على الطرفين اي على المهاجر من جهة، والمجتمع من جهة أخرى من أجل نشر شعور قوي بالانتماء الى المجتمع.
هل تأمل باسلام اوروبي أو اميركي او غربي بعامة؟
- أعتقد أن الإسلام قد يشهد تطورا مشابها لما حدث للمسيحية قبل ثلاثمئة أو أربعمئة عام بمعنى أنّ تطور التعاليم الإسلامية ينطوي على وحدة متماسكة جدا بين الدين والسياسة. فالخليفة في الدولة الإسلامية كان حاكما دنيويا وحاكما دينيا في آن واحد. وفي الغرب عند نهاية القرون الوسطى، بدأ كلٌّ من هذين الدوْرين فى الإنقسام إلى ماهو ديني من جهة وماهو علماني من جهة أخرى. واليوم كما تعلمون فإن الدين قضية شخصية الى حد كبير فيما تعد الدولة مؤسسة علمانية على نطاق واسع.
وأعتقد أنّ هناك إمكانا لأن يصبح الإسلام في أوروبا من خلال وجوده في مجتمعات تعدّدية مجرد شعائر وفروض يمارسها المرء بشكل منفرد أو داخل أسرته أي في ظل حرمة بيته دون توقعات بأن يحظى ذلك بتأييد السلطات السياسية وذلك بسبب أن هذا التحول لن يحدث في المجتمعات الغربية.
تقول: ثمة قاعدتان أساسيتان لتحريك التاريخ: التكنولوجيا، واستمرار الاكتشافات العلمية، مما يمهد الطريق للتحديث الاقتصادي، والكفاح من أجل الحصول على الاعتراف من قبل مختلف القوى الموجودة في المجتمع، أين موقع العالم العربي المتخلف عن المشاركة في هاتين القاعدتين وما هو مصيره؟
- أعتقد أنّ التكنولوجيا والعلوم المعاصرة تحتاج الى نوع من الانفتاح من قبل المجتمع من أجل تعزيز روح التجديد، وتحتاج أيضا الى نظام تعليمي يرتكز على أساس الدليل العلمي والمنطقي ناهيك عن فتح منابر للنقاش.
وليس صحيحا القول الآن إنّ العالم العربي كان دائما متخلّفا في هذا المجال وأذكر نظام العدد مثلا. كانت هناك أمور عدة في عهد الأندلس وفي مراحل سابقة من التاريخ العربي مما عزز ذلك التنوع والانفتاح الكبير داخل المجتمع. وأعتقد أن انغلاقّ العقل العربي لم يحدث إلاّ في مرحلة حديثة لدى الأجيال الاخيرة التي لم تظهر انفتاحا في آفاق تفكيرها. وهنا أعود الى مقارنة مثيرة للغاية مع دول شرق آسيا بسبب أن الثقافات غير الغربية تبدي بعض التردد والخوف عندما تواجه قوة العلم والتكنولوجيا المعاصرة. وأعتقد أن هذا صحيح بالنسبة لليابان والصين والهند وغيرها من الدول. ففي بعض الحالات، تقاوم تلك الدول تيار التحديث الذي يستند الى تطور العلوم، لكنها في النهاية تدرك انها لن تستطيع التنافس مع بقية دول العالم دون القبول بالقواعد البسيطة ومنها انفتاح المجتمع امام الافكار الجديدة، ولدليل العلمي وأمور أخرى من هذا القبيل.
وأعتقد أنّ من الأسباب التي تجعل اليابان والصين والهند أكثر الدول نموا في العالم اليوم حسب اعتقادي استعدادها ليس لقبول التكنولوجيا الغربية او المنهاج العلمي الغربي، بل قبولها بمنطلق إنساني لتلك المعطيات العلمية.
هل انت متفائل بمستقبل العالم العربي؟
- نعم أنا متفائل بسبب اعتقادي أن المرء بحاجة أحيانا للمرور بحقبة أزمة قبل التوصل الى تطبيق إصلاح حقيقي. وأعتقد أنّ العالم العربي يعيش حاليا أزمة حقيقية بسبب أن عددا من مؤسساته لا تؤدي مهماتها.
والسياسة في مأزق ولديكم الحكام انفسهم وأولادهم لاجيال متلاحقة والآن أصبحت المجتمعات العربية في حالة جمود. وأعتقد أن الازمة في مرحلتها الحاسمة وقد تشهد الأوضاع مزيدا من التردّي قبل ان تبدأ بالتحسن. لكني أعتقد أنّها ستكون في نهاية المطاف قاعدة لانطلاق التغيير.
كيف ترى العلاقات الاميركية - الاسرائيلية بين رأيين، البعض يعتبر ان اسرائيل توجه السياسة الاميركية في المنطقة بينما آخرون يعتبرون ان الولايات المتحدة هي التي توجه اسرائيل؟
- أعتقد أنّ فكرة زعامة اسرائيل للولايات المتحدة فكرة سخيفة. وأعني أنّ الولايات المتحدة كما تعلمون نظام ديموقراطي يستطيع من خلاله الاميركيون اليهود التعبير عن آرائهم. لكن كما تعلمون أيضا هم يشكلون صوتا واحدا من مجموعة أصوات أخرى، وهناك مصالح أميركية واسعة أخرى يتعين مراعاتها ضمن النظام السياسي الأميركي. لذلك أعتقد أنّها علاقة متينة بين دولتين تجمعهما روابط الصداقة، وهناك تأثير متبادل بين الدولتين كما هي الحال في الروابط التي تجمع بين الولايات المتحدة وبريطانيا وبين الولايات المتحدة واليابان. لكني أعتقد أنّ فكرة سوء تأثير كل طرف في الطرف الآخر تظل فكرة خاطئة.
ألا تعتقد ان هناك تأثيرا اسرائيليا على السياسة الاميركية تجاه النزاع العربي - الاسرائيلي بخاصة؟
- ليس هناك شك في أن اسرائيل تؤثرفي السياسة الاميركية وفي الاعلام الاميركي. لكني ما أقوله هو أن هناك دولا أخرى حليفة تؤثر في أميركا في اتجاه مناطقها. وأعني أن لدينا عددا كبيرا من المهاجرين المكسيكيين الذين يزداد تصويتهم في الانتخابات ويجدون مساحة أكبر لهم في النظام السياسي الاميركي. وبالطبع يوجد هذا النوع من التأثير لكن القضية كما تعلمون هي أنّ هناك ترويجا لنظرية المؤامرة في العالم العربي تفيد بأنّ واشنطن تدور ببساطة في فلك تل أبيب! وأعتقد أن هذه رؤية سخيفة بسبب أن أميركا كما تعلمون دولة كبيرة وتتخذ قراراتها بنفسها عندما يتعلق الأمر بمصالحها الذاتية.
هل حل النزاع العربي - الاسرائيلي مدخل لحل قضايا ونزاعات المنطقة الاخرى؟
- أعتقد أنّ الصراع العربي - الإسرائيلي سيصل الى مرحلة التسوية في نهاية المطاف، لكن ذلك لا يشكل بالضرورة شرطا لتحقيق التقدم في مناطق أخرى. وأعتقد ايضا أن إحدى المشاكل الكبرى في السياسة العربية وربما أحد أسباب جمود السياسة العربية هو قدرة الساسة العرب على توجيه اللّوم بسهولة الى الآخرين، وتحميلهم المسؤولية عن فشلهم في تسوية القضية الفلسطينية. وأعتقد كذلك أنّنا بحاجة لتحقيق بعض التقدّم بشأن القضية الفلسطينية، وينبغي أن تكون هناك دولة فلسطينية تتمكن من العيش بأمان بجوار اسرائيل. لكن هناك خطة إصلاحات ينبغي تطبيقها خارج فلسطين حتى لا تظل القضية رهينة بما يحدث بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
انت من خلفية يعتقد البعض انها لا تعطي البعد الديني اهميته ودوره في الصراع العربي – الاسرائيلي؟ هل البعد الديني لهذا الصراع تجاوز البعد القومي؟
- أعتقد أنه ليس هناك شكّ في أن البعد الديني حل محلّ البعد القومي خلال الجيل الماضي وأن حركة "حماس" تظل من الأطراف المهمة جدا. لكني أخمّن، هل هذا الوضع هو الذي سيحدّد ماهية النزاع بشكل دائم؟ وهل سيحدث تطور ما نحو حل سياسي سيمهد لتطور العنصر الديني نحو وضع ما يتلاءم مع أي تسوية سلمية ممكنة؟
لا أعرف الكثير عما سيكون عليه موقف "حماس" وما إذا كانت ستشكل العربة التي ستؤدي إلى ذلك الوضع. وقد تكون هناك أطراف أخرى أو طرق أخرى لتحقيق ذلك في المحصلة النهائية. ولا أعتقد أن هذا سيشكل عقبة نهائية ستحول دون تحقيق أي تسوية للنزاع.
ماذا ترد على الذين يتهمونك بمعاداة اسرائيل؟
- لست متأكدا من خلفية ذلك الاتهام بسبب اعتقادي دوما ويشاطرني في ذلك عدد من الأميركيين من غير اليهود، أنّ التحالف مع اسرائيل مهم جدا لأنها ديموقراطية. وهي واحدة من الأنظمة الديموقراطية القليلة التي تعمل بشكل جيد في الشرق الأوسط.
وأحد الأسباب في نظري يكمن في الواقع في أن الفلسطينيين بمقدورهم تأسيس ديموقراطية حقيقية بجانب اسرائيل من خلال تجربة سياسية قد تمتد الى خارج أراضيها. وبالنظر إلى هذه الأسباب، أعتقد أن الروابط بين إسرائيل والولايات المتحدة روابط عميقة وحقيقية، وتقوم على أساس الأفكار التي تنطوي على قيم ديموقراطية مشتركة.
لماذا تعتبر ان الضغط الاميركي لا يحل النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني بينما كثيرون يعتبرون ان الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على حسم النزاع وفرض الحل؟
- هناك حدود للسبل التي تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم من خلالها ممارسة قوتها وصلاحيتها خاصة عندما تكون لديها أهداف أخرى. ويتعين أن تكون التسوية عادلة ومنصفة وتستند إلى الديموقراطية وإلى الإجماع الداخلي لدى كل طرف.
وأعتقد كذلك أن أي تسوية سياسية تفرضها قوة عظمى خارجية لن تكون طويلة الأمد لأنها ستستمر ما دامت القوة العظمى مستعدة للجلوس مع الأطراف وإرغامهم على التصرّف بشكل محدّد، وأعتقد أنّ هذا لن يشكل القاعدة الملائمة لسلام دائم.
ما هي برأيك اسباب التعثر الاميركي في العراق؟
- أعتقد أنه من السابق لأوانه القول أن المشروع الأميركي في العراق غير ناجح. وبالتأكيد لم يحدث تحوّل سريع إلى ديموقراطية مستقرّة كما يأمل عدد من المسؤولين في حكومة الرئيس بوش حسب اعتقادي.
لكن بإجراء الانتخابات العراقية الأخيرة نشهد حركة سياسية حقيقية في العراق. وأعتقد أنّ من الممكن تأسيس دولة ستكون قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها. لن يكون العراق شبيها بسويسرا بالطبع، لكنه قد يكون على غرار كولومبيا وهي دولة جرّبت مستوى عاليا من أعمال العنف خلال ثلاثين عاما لكنها ظلت دولة ديموقراطية تحظى بالإستقرار.
الا تعتقد ان المشروع الاميركي في العراق يتعثر؟
- أعتقد أنّه إذا تأمّلنا حملات الانتخابات في العراق، نلمس أن الحكومة الأميركية أرادت تشجيع هذه الفكرة وهي سياسة الانتخابات المنفتحة ، وخاصة سياسة الانتخابات السلمية في بلد عربي. لذلك أعتقد أنّ القول بفشل هذا المشروع يأتي متأخرا للغاية. والآن ومن خلال منظار أميركي، ثمة تساؤلات عدة: هل هذا التحول يبرّر عدد الأرواح التي أزهقت والمبالغ التي تم إنفاقها في العراق؟
هذا تساؤل منفصل ينتظر الإجابة من قبل الأميركيين أنفسهم! لكني أعتقد أنّ تطورات العراق الراهنة غير واضحة لتحديد ما إذا كان المشروع قد وصل الى حافة الفشل.
يقال ان ايران هي الرابح الاكبر في الحرب. هل هناك رهان أميركي على الشيعة في المنطقة لاسيما في العراق او لبنان؟
- أعتقد أنّه ليس هناك شك في أن تأثير إيران ازداد في المدى القصير بسبب العدد الكبير لحلفائها بين الأحزاب الدينية في جنوب العراق. ولا أعلم ما إذا كان هذا الوضع يمهد لزيادة دائمة في حجم التأثير الإيراني، بسبب أنّ....
الا تعتقد بذلك؟
- لا أعتقد، وإذا ما تأمّل المرء تاريخ الحركات الثورية الأخرى، فإنّ من الصعب للدولة الأصلية نفسها إحكام السيطرة عليهم. وإذا نظرنا إلى الشيوعية، نلاحظ أنه كان هناك انقسام بين الصين والاتحاد السوفياتي، ولم تكن حركة موحّدة بسبب أنّ تلك الأطراف كانت تسعى لتحقيق غايات متباينة مع مرور الوقت. وأعتقد أنّ هذا ما سيحدث في عالم الشيعة من حيث أن الشيعة العراقيين سيخدمون مصالحهم ولن يخدموا بالضرورة مصالح ايران.
لماذا يخشى قسم كبير من الاميركيين ان يتحول جنوب العراق لا سيما البصرة الى ما يشبه الجمهورية الاسلامية في ايران؟
- أعتقد أنّ ما يحدث حاليا في البصرة وفي الأماكن التي تسيطر عليها الأحزاب الشّيعية يدل على مؤشرات مثيرة للقلق عن وجود عدم التسامح الديني حيث تُرغم النساء على ارتداء الحجاب، وحيث تتعرّض محلات بيع المشروبات الكحولية للهجمات وما إلى ذلك. وبكل تأكيد لم تباشر الولايات المتحدة تدخلها هناك لمجرد إقامة مثل هذا النظام الديني في العراق.
لذلك أعتقد أن علينا أن نكون حذرين بشأن ذلك وأن نعمل على ضمان ألا يتحول الدين الى شكل آخر من أشكال عدم التسامح في المناطق الشيعية. لكني أعتقد أن السبيل لتحقيق ذلك هو مواصلة العملية السياسية الراهنة نظرا الى أن هناك بعض الفئات داخل المجتمع العراقي ممن تقتضي مصالحهم ألاّ تكتمل تلك العملية السياسية. وحسب رأيي فإنّ النظام الدستوري الذي يشهده العراق حاليا يشكّل أفضل ضمان لوضع حدّ لذلك النوع من السياسات المرتكزة على الدين.
هل تتوقع انسحابا اميركيا سريعا من العراق؟
- لا أعتقد ذلك، ومن البديهي أنّ هناك قدرا كبيرا من الضغوط السياسية على الرئيس بوش من أجل سحب سريع للقوات الأميركية من العراق، لكني أرى أنّ من الممكن ان يقاوم الرئيس حتى تصبح الحكومة العراقية قادرة على تحقيق الاستقرار بعد الانسحاب الاميركي بسبب أن الجميع يدرك أنّ عراق غير مستقر لن يكون في مصلحة أحد.
لماذا تعتقد أن قرار الحرب في العراق كان بالأساس من تأثير لوبي يفكر في المصلحة الاسرائيلية أكثر من المصلحة القومية الأميركية؟
- أنا لم أدْعُ قطّ لمثل تلك الفكرة، ولا أؤمن بها. أعتقد أنّه تمّ اعلان الحرب تبعا للاعتقاد أن هناك أسلحة دمار شامل في يد ديكتاتور خطير. ومن هذه الناحية أعتقد أنّ الحكومة كانت صادقة في نياتها. لكن خطأ حكومة الرئيس بوش تبيّن عندما استحال العثور على تلك الأسلحة، وهذا هو الاعتقاد الذي كان سائدا بين الكثير من الأميركيين تبعا لتقديرات جهاز الاستخبارات العامة. ولذلك أعتقد أنّ ما أعلنته حكومة الرئيس بوش كان الدافع الحقيقي للتدخل في العراق.
انت تعتبر ان القاعدة لا تشكل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة لكن الا تعتبر أنها تهدد دول الشرق الاوسط وأنه ينبغي حماية هذه الدول؟
- أعتقد أن القاعدة تشكل أخطر تهديد على المنطقة وعلى دول الشرق الأوسط، وهذا أمر واضح حسب اعتقادي. وقد شاركت في نقاش حول قضية ما اذا كان التهديد موجها الى وجود بعض الدول، وأعتقد أنّ القضية مجرد دلالة ألفاظ. فالتهديد ضد الوجود هو في نظري تهديد قادر على تغيير نظام الحكم في الولايات المتحدة وتأسيس دولة إسلامية فيها. وأعتقد أنّ هذا احتمال غير وارد في أي وقت في المستقبل. لكنّ من المؤكد أنّ تنظيم "القاعدة" تنظيم خطير، وإذا ما تمكن من امتلاك أسلحة دمار شامل، فيبدو لي أنه...
الا تعتقد انه ينبغي على الولايات المتحدة التدخل لحماية دول في الشرق الاوسط من تهديدات "القاعدة" او الاسلام السياسي المتشدد؟
- لدى الولايات المتحدة خليط من الأهداف في الشرق الأوسط، وأعتقد أنّ هناك حاجة لحماية الدول من هذا النوع من الإرهاب العشوائي او الإرهاب العدمي.
ومن جهة اخرى، قالت حكومة الرئيس بوش بوضوح إنها تريد إصلاحا سياسيا وتريد أيضا انفتاحا للأنظمة السياسية في المنطقة. وأعتقد أنّ من الصواب القول إنّ خطر الإرهاب قد يكون تبريرا ملائما لعدد من الديكتاتوريين في الشرق الأوسط من أجل مواصلة سلطة محكمة جدا على شعوبهم. وأعتقد أنّ الولايات المتحدة ليست بحاجة لدعم مثل تلك االسياسات لكنها بحاجة لمساعدة الحكومات الشرعية من أجل الدفاع عن نفسها من هذا النوع من التهديد بالإرهاب.
هل تحبذ الحوار مع الحركات الاصولية المتشددة مثل "حزب الله" و"حماس" مثلا؟
- أعتقد أنّ توقيت مثل هذه القضية أمر في غاية التعقيد بسبب أنه لا يمكن تقديم مكافأة لتلك التنظيمات على مواقفها المتصلّبة. لكني أعتقد أنّ بوسعنا الأمل في المدى البعيد في أن تتطور تلك التنظيمات فتتحرك نحو اتجاه مسالم. فـ"حزب الله" مثلا يتذبذب حاليا حول فكرة اتخاذ القرار للكفّ عن اعتبار نفسه منظمة عسكرية ويصبح تالياً حزبا عاديا على غرار ما حدث بالنسبة للجيش الجمهوري الايرلندي في ايرلندا، حيث تم استيعابه ضمن الأحزاب السياسية المشروعة.
وإذا ما حدث هذا بالفعل بالنسبة لـ"حزب الله"، فسيكون هذا تطورا إيجابيا، وستعمل الولايات المتحدة على تشجيع مثل هذا التحول. لكن هل سنشهد الموقف نفسه إزاء حركة "حماس"؟ لا أستطيع الجزم بشأن ذلك. وأعتقد أنه من السابق لأوانه فتح حوار مع المسؤولين في "حماس"، ولكني أومن أن ذلك سيحدث كجزء من حلّ طويل الأمد في الشرق الأوسط.
عن قناة "الحرة"