المقياس الشرعي
دلّت النصوص الشرعية على أن هناك مقاييس في الإسلام، تقاس بها الأفعال والأشياء وهي: الخير والشر، والحسن والقبح، والحلال والحرام، فما هي هذه المقاييس؟
الخير والشر
كلمة ((خير)) لفظ مشترك من جهة الاشتقاق، ومن جهة المعنى. أما من جهة الاشتقاق، فهي اسم تفضيل، الأصل القياسي فيها أن تأتي ((أخير)) على وزن أفعل، ولكن حذفت الهمزة حذفاً شاذاً، وهي مصدر على وزن فَعْلٌ.
وأما من جهة المعنى، فكلمة ((خير)) تعني الإسلام، كما في قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير...) وتعني المال، كما في قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم...) وتعني أيضاً الفعل الذي يرضي الله تعالى، كما في قوله: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، هو خيراً وأعظم أجراً) (20/ المزمل ).
وكلمة ((شرّ)) من جهة الاشتقاق تشبه كلمة ((خير))، وأما من جهة المعنى، فالشر ضد الخير.
وقد أطلق العربي ((الخير)) على كل ما ينفعه، وأطلق ((الشر)) على كل ما يضره، فإن أصابه من الفعل نفع مادي أو معنوي عدَّه خيراً، وإن أصابه ضرر مادي أو معنوي عدّه شراً، قال تعالى: (فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه...) (11/ الحج)، وقال تعالى: (إذا مسّه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً ...) (21/ المعارج)، فهو يحب الخير بمعنى النفع، ويكره الشر بمعنى الضرر، فبين الله للإنسان عدم دقة المقياس بقوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال تعالى فيمن كرهوا زوجاتهم: (فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) (19/ النساء). فالخير والشر في الإسلام، لا يقاس بالنفع والضرر، لا في الأفعال التي تقع قضاءً، أي تقع من الإنسان أو عليه جبراً عنه، ولا في الأفعال التي يقوم بها الإنسان باختياره، لأنه لا يدرك بدقة إن كان الفعل أو الشيء نافعاً أو ضاراً له ولغيره، بسبب عدم معرفته للنتائج الحقيقية التي ستترتب على أفعاله في الدنيا والآخرة. ولنضرب مثلاً لذلك الشخص الذي نام وتأخر عن موعد سفره بطائرة، كانت ستقله لعقد صفقةٍ تجارية رابحة، فكره ما حصل، وعده شرّاً له، ولكنه عندما علم أنَّ تلك الطائرة قد سقطت بعد إقلاعها وتحطمت، وقتل جميع من كان عليها، حمد الله على تأخره، وعدّه خيراً له.
فوصف الإنسان للفعل بالخير والشر بناء على النفع أو الضرر الذي يصيبه من جراء القيام به، وصف غير صحيح وغير ثابت، لأنه آت من البشر، وهم عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة، وعقولهم عاجزة عن معرفة النتائج قبل حدوثها، فيكون الوصف الحقيقي للفعل بأنه خير أو شر غير آت من الإنسان، ولا آت من الفعل نفسه، فالقتل فعل واحد، يكون من المسلم خيراً إن كان قتلاً للمحارب، ويكون شرّاً إن كان قتلاً للمواطن أو المعاهد، فوصف الفعل بالخير أو الشرّ، لا يأتي من ذات الفعل ولا من الإنسان، وإنما يأتي من عوامل خارجة عنه، وهذه العوامل تستند إلى وجهة النظر في الحياة، وهي العقيدة التي يعتنقها الإنسان، وما ينبثق عنها من أفكار وأنظمة.
والإسلام، عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام شامل كامل، وضع مقياساً دقيقاً لما هو خير ولما هو شر، فالفعل إن كان مما يرضي الله بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه فهو خير، وإن كان مما يغضب الله لمخالفته أوامره واتباع نواهيه فهو شر، فالخير – عند المسلم – ما يرضي الله والشر ما يغضب الله.
فالصلاة والجهاد، وحمل الدعوة خير لأنها ترضي الله، والربا والزنا والتجسس شر لأنها تغضب الله، بغض النظر عن النفع أو الضرر الذي يصيب الإنسان في الحياة الدنيا نتيجة قيامه بها، فهي حياة قصيرة تنتهي بموته، ثم تليها حياته في الآخرة حيث النعيم المقيم في الجنة، أو العذاب الأليم في النار، جزاء لما فعله الإنسان من خير أو شر، قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). فعلى المسلم أن يقدم على فعل الخير لأنه يرضي الله لا لأنه يحقق له منفعة دنيوية، وأن يحجم عن فعل الشر لأنه يسخط الله، لا لأنه يسبب له ضرراً.
وعليه أيضاً أن يسمي المسميات بأسمائها الشرعية، فالإسلام والإيمان وتطبيق الحدود خير، وأما الكفر والخيانة ومخالفة أحكام الإسلام فشر، وعليه أن يؤمن ويسلم بالقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى، وإن كان هو يحب ما ينفعه، ويكره ما يضره، فهذا الحب أو الكره لا قيمة له، ولا حساب عليه، لأنه لا يملكه، فهو ليس من أفكاره الاختيارية، فعن أبي هريرة قال: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله...) اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ...)) وفي نهاية الحديث: ونسخها الله تعالى، فأنزل الله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها... ).
الحسن والقبح
إنّ الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح، قد يكون من جهة واقعها أو من جهة ملاءمتها أو منافرتها لفطرة الإنسان، أو من جهة الثواب والعقاب عليها من الله تعالى.
أما من جهة واقعها، وملاءمتها أو منافرتها للفطرة، فإن الإنسان بحسه وعقله يستطيع الحكم عليها، فيحكم على الشيء الحلو كالعسل بأنه حسن، وعلى الشيء المر كالحنظل بأنه قبيح، وحكم على العلم أو الغنى بأنه حسن، وعلى الجهل والفقر بأنه قبيح لما فيها من الكمال والنقص، لأن الله أودع فيه خصائص يمكنه بها أن يدرك ذلك، وهي الغرائز والحاجات العضوية والتفكير.
وأما الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح من جهة الثواب والعقاب عليها من الله تعالى، فإنه ليس للإنسان، لأنه عاجز بما أعطي من خصائص، عن معرفة كون الأمر مما يثيب عليه الله، أو مما يعاقب عليه الله، لأن ذلك لا يقع تحت حسه، فلا يمكن أن يدركه عقله إلا بإخبار من الله تعالى، وهذا الإخبار هو الشرع الذي جاء به الوحي إلى الرسل.
والشرع مدح أشياء وأفعالاً ورتب على بعضها ثواباً، وذم أشياء وأفعالاً، ورتب على بعضها عقاباً، لذلك كان الحكم عليها بالحسن والقبح من جهة المدح والذم ومن جهة الثواب أو العقاب هو لله تعالى، وليس لعقل الإنسان، وذلك لأن واقع العقل مكوّن من إحساس وواقع ومعلومات سابقة ودماغ، والإحساس جزء أساسي من العقل، فإن لم يحس الإنسان بالشيء لا يمكن لعقله أن يصدر حكماً عليه، لأن العقل مقيد حكمه على الأشياء بكونها محسوسة أو محسوس أثرها، وما دام لا يحس بمدح الله أو ذمه للأشياء والأفعال، ولا يحس بما رتب عليها من ثواب أو عقاب، فإنه عاجز عن إصدار الحكم عليها من هذه الجهة، إلا بإخبار من الله تعالى.
وإن حكم الإنسان عليها من جهة واقعها، أو من جهة ملاءمتها أو منافرتها لفطرته، لا قيمة شرعية له، ولا دخل له في قيامه أو عدم قيامه بالفعل، فالمسلم يجاهد في سبيل الله، ويحمل الدعوة، ويصوم، كما أمره الله، وأن لم يدرك حسن واقع هذه الأعمال، أو كانت منافرة لفطرته. وهو يجتنب الربا والزنا والتجسس كما نهاه الله، وإن لم يدرك قبح هذه الأعمال، أو كانت ملائمة لفطرته.
ففي الإسلام، الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع، قال تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (157/ الأعراف ). فالطيب أو الحسن ما أحله الله والخبيث أو القبيح ما حرمه الله، وليس ما لاءم أو نافر فطرة الإنسان وعقله، فالعنب طيب وحسن والخمر المصنوع منه خبيث وقبيح، والبيع حلال وحسن، والربا حرام وقبيح.
الحلال والحرام
إن ألفاظ: ((الخير والشر)) و ((الحسن و القبيح)) ألفاظ عربية وضعها العرب أصلاً لتدل على معان معينة، ثم استعملها الشارع في القرآن الكريم، والسنة النبوية لتدل على معانيها اللغوية كما وصفها العرب في مكان، ولتدل على معان شرعية في مكان آخر. فإن أطلقت دون قرائن دلت على المعاني الشرعية فقط، وإن أريد بها المعاني اللغوية احتاجت إلى قرائن.
وأما الحلال والحرام، فهما لفظان نقلا من معناهما اللغوي الوضعي، إلى المعنى الشرعي، وأهمل المعنى اللغوي، فهما حقيقتان لغويتان شرعيتان أينما وردتا في الكتاب والسنة، سواء وردتا أسماء أم أفعالاً، قال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقال صلى الله عليه وسلم: (الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه...) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بيّن والحرام بيّن...)) فالحلال ما سمح الله به، ولم يرتب على فعله أي عقوبة، والحرام ما حذر الله منه، ورتب على فعله عقوبة في الدنيا والآخرة.
والحلال يشمل كلاً من الواجب والمندوب والمباح والمكروه، والحرام يشمل الحرام فقط.
وأحكام التكليف في الإسلام لا تخرج عن واحد من هذه الأنواع الخمسة، وأحكام الوضع المتعلقة بها خمسة أيضاً وهي: السبب، والشرط، والمانع، والرخصة والعزيمة، والصحة والبطلان والفساد.
ومقياس ((الحلال والحرام)) يشملها جميعها، وهو المقياس الشرعي لكل الأشياء والأفعال اللازمة للإنسان في حياته الدنيا.
وقد ثبت باستقراء الأدلة الشرعية المتعلقة بالأشياء أنّ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، وأنّ الأصل في الأفعال التقيد، فلا يوجد في الكون شيء أو فعل إلا وأنزل الله له حكماً شرعياً في الإسلام، إما حلالاً وإمَّا حراماً. فإن لم يجد المسلمون حكماً لشيء أو فعل فهو نتيجة تقصيرهم في الاجتهاد لاستنباط الأحكام، وليس هو نتيجة قصور أو نقص في الأدلة الشرعية، لأن الله تعالى نص بصراحة على اشتمال الإسلام لكل حكم يلزم الإنسان إلى يوم القيامة، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً) (3/ المائدة)، وقال تعالى: (وأنزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) (89/ النحل ).
ويحرم على المسلم أن يصف فعلاً أو شيئاً بالحلال أو الحرام دون دليل شرعي، قال تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (116/ النحل).
بعض الفروق بين هذه المقاييس
هناك فرق بين وصف الأفعال بالخير والشر، وبين وصفها بالحسن والقبح.
أما وصفها بالخير والشر فهو آت من حيث أثرها، ومن حيث الإقدام عليها أو الإحجام عنها. فالأصل في المسلم أن يقدم على القيام بفعل ما، ويصفه بالخير، إن كان هذا الفعل يرضي الله، وأن يحجم عن القيام بفعل ما، ويصفه بالشر، إن كان هذا الفعل يسخط الله، لأن الله رضي عن الذين يفعلون الخير الذي أمر به، ووعدهم بالجنة، وغضب على الذين يفعلون الشر الذي نهى عنه، وأوعدهم بالنار.
وأما الحكم على الأفعال بالحسن والقبح، فإن المسلم يصف الفعل بالحسن إذا كان الشرع قد مدحه أو رتب عليه ثواباً، ويصفه بالقبح إن كان الشرع قد ذمه أو رتب عليه عقاباً، بصرف النظر عن قيام الإنسان بالفعل أو عدم قيامه به، حسناً كان أم قبيحاً.
وأما قياس الحلال والحرام فهو أكثر تفصيلاً، لأنه شامل لأنواع الأحكام الشرعية الخمسة، وما تعلق بها من أحكام الوضع الخمسة، وقد عبر الفقهاء عن هذا المقياس بقولهم: الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، بالاقتضاء أو التخيير، أو الوضع. والاقتضاء يعني الطلب، فإن كان الطلب طلب فعل جازم فهو الواجب، وإن كان غير جازم فهو المندوب، وإن كان الطلب طلب ترك جازم فهو الحرام، وإن كان غير جازم فهو المكروه، والتخيير بين الفعل والترك دون بدل فهو المباح، والوضع هو جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً، أو رخصة وعزيمة، أو صحة وبطلاناً وفساداً.
ومعرفة الحكم الشرعي لازمة للمسلم قبل قيامه بالعمل، لأن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي.
وعليه فإن وصف الأفعال بالخير والشر، أو الحسن والقبح أو بالحلال والحرام، من جهة الثواب والعقاب، هو للشرع الذي أنزله الله، وليس للعقل، أو للقوانين التي وضعها الإنسان من عنده.
وكذلك وصف الأشياء بالحسن والقبح أو الحلال والحرام أعم من الوصف بالخير والشر، لأن المقياس الأخير خاص بالأفعال، بينما المقياسان الآخران يشملان الأفعال والأشياء.