الحضارة والمدنيّة والثقافة

 

أ – نشأة المصطلح:

 

«الحضارة» في اللغة وكما ورد في "لسان العرب" : «الإقامة في الحَضَر… والحَضَر والحَضْرة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف». إذن، حين تُذكر الحضارة في اللغة فإنّه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكنى المدن والقرى.

إلاّ أنّ هذا المعنى هو المعنى اللغويّ للكلمة. والمعنى اللغويّ هو غير المعنى الاصطلاحيِّ ولو كان ذا صلة به. ومرادنا في هذا البحث الوقوف على المعنى الاصطلاحيِّ للحضارة. وهذا يتطلب منّا الرجوع إلى نشأة ذلك المصطلح.

 

أوّل من توسّع في الكلام عن الحضارة والتفريق بينها وبين البداوة هو "عبد الرحمن بن خلدون"(ت 808 هـ)، الّذي يرى أنّ الناس حين تخطَّوا في كسبهم للمعاش ما هو ضروري «وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضُّر. ثمّ تزيد حالة الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويُجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون من استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان»[1].

والمدقِّق في كلام "ابن خلدون" يجد أنّ كلمة "الحضارة" عنده لم تخرج عن معناها اللغويّ. وكلّ ما كان منه أن توسّع قليلاً في شرح حال أهل الحضر أو المدن والتمييز بينهم وبين البدو أهل البادية. لذلك كان من الخطأ إدراج ابن خلدون في عداد أهل الاصطلاح المحدَث "للحضارة".

 

والواقع أنّ نشأة المعنى الاصطلاحيّ للحضارة إنّما تعود إلى الدراسات الأوربّيّة، وذلك لعدّة قرون خلت. وذلك من خلال استخدام العبارة "Civilization" الّتي ظهرت تحمل مدلولات معيّنة، ثمّ طرأت التعديلات والتبديلات على ذلك المصطلح، حتّى وصل إلى ما استقرّ عليه اليوم من معنى.

 

«ظهرت كلمة "Civilization" بالفرنسيّة سنة 1734، وأصلها واضح : فهي تنحدر مباشرة من صفةCivilisι  (متحضِّر) في القرن السابع عشر»[2]. وفي هذه الحقبة استُخدمت هذه الكلمة -ومعناها في العربيّة مدنيّة أو حضارة– للدلالة على صفات أهل المدينة، وللتفريق بينهم وبين من هم خارجها من أهل الأرياف أو من أهل الغابات المتوحّشين والبرابرة، «وحالة التحضُّر والمتحضِّر،جملة الصفات المكتسبة خارج الطبيعة، وهي أخيراً مجموع الظواهر المميِّزة للحياة في هذا العالم الخاصّ المتطوِّر الّذي بناه الإنسان المدنيّ»[3]. وإذا دقّقنا في هذا المعنى سنجد أنّه لا يختلف كثيراً عن المعنى الّذي أراده ابن خلدون في مقدّمته.

ولكنّ هذا المعنى أخذ يتغيّر بعد قليل، حين انتشر المصطلح في اللغات الأوربّيّة الأخرى وصار يعني «مجموعة من الخطط والنظم القمينة بإشاعة النظام والسلام والسعادة، وبتطوّر البشريّة الفكريّ والأدبيّ، وبتأمين انتصار الأنوار »[4]، والأنوار في مفهوم مفكِّري القرن الثامن عشر الأوربّيين هي الثقافة الأوربّيّة والمفاهيم الجديدة الّتي أحدثتها الثورة الصناعيّة. «ففي ذروة العصر الّذي كان الأوربّيون يهيمنون فيه على العالم فكريّاً وسياسيّاً جرى تصوّر الحضارة بصيغة المفرد»[5]، أي ما يتميّز به المجتمع الأوربّي من خصائص.

 

إلاّ أنّ المفكِّرين والكتّاب الأوربّيين –ولا سيّما المؤرِّخين منهم- بدأوا منذ القرن التاسع عشر يستخدمون هذا المصطلح –civilization– للدلالة على ما تملكه أيُّ أمّة من الأمم من خصائص تتميّز بها عن الأمم والشعوب الأخرى. وهكذا بدأ الكلام بينهم على "الحضارات" بدلاً من الحضارة الواحدة. فممّا يقوله مثلاً "نيقولاي دانيليفسكي" الروسي (1822-1885): «ليس هناك حضارة واحدة، وإنمّا هناك طُرز من الحضارات لكلّ منها خصائصها ومميِّزاتها. والتاريخ البشريّ في مجموعه لا يسير في خطّ مستقيم يتّبع اتّجاهاً واحداً ونزعة بذاتها، وإنّما هو في الحقيقة مكوّن من حركات مختلفة الاتّجاهات تتبع خطوطاً متباينة وتكشف عن وجهات أو قيم كثيرة خلال الطرز المختلفة من الحضارات. ولكلّ حضارة قيمها الخاصّة»[6]. ويقول "موريس كروزيه": «أمّا أن نكون أمام حضارات متعدِّدة لا حضارة واحدة ليس بينها ما يدّعي الرئاسة المحتومة، فهذا أمر مسلَّم به اليوم بين علماء الأجناس البشريّة والمؤرِّخين والعلماء الاجتماعيّين، إذ يقرُّ هؤلاء بالإجماع أنّ لكلّ جماعة بشريّة على شيء من النظام، حضارتها الخاصّة، حتّى أنّ للأقوام المتوحِّشة حضارتها الخاصّة بها. كذلك من الأمور المسلَّّّم بها اليوم عدم الأخذ بالنظريّة الضيّقة الّتي تقول بتاريخ واحد للحضارة»[7].

 

وهكذا نرى أنّ هذا المصطلح تبدَّل من الدلالة على مواصفات أهل المدينة الخُلقيّة والاجتماعيّة والشكليّة وأساليب عيشهم والفرق بينهم وبين أهل الأرياف والغابات إلى الدلالة على مميِّزات الأمم والدول المنظَّمة ذات الثقافة العالية والعلوم المزدهرة –وهو مفهوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لدى الدول الأوربّيّة– ثمّ أخيراً للدلالة على أنماط المجتمعات الّتي شهدها التاريخ البشريّ، بصرف النظر عن مدى ثقافتها وعلومها، حتّى إنّ الأقوام المتوحّشة لها حضارتها  الّتي تصوغ عيشها.

 

من خلال ما سلف من البحث، ووفق ما استقرّ عليه مصطلح "الحضارة" من معنى، يظهر ارتباط واضح بين "الحضارة والمجتمع". فالحضارات متعدّدة بقدر تعدّد المجتمعات. والحضارة ما هي إلاّ نمطُ عيشِ مجتمع من المجتمعات، ولولا ذلك المجتمع لما أمكننا التحدّث عن تلك الحضارة. "فالحضارة اليونانيّة" ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع اليونانيّ، و"الحضارة المصريّة" القديمة ما هي إلاّ تعبير عن هويّة المجتمع المصريّ القديم، و"الحضارة الإسلاميّة" ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع الإسلاميّ… وهكذا. فها هو المؤرِّخ البريطانيّ الشهير "أرنولد توينبي" يرى أنّ التاريخ البشريّ تاريخ حضارات، وفي الوقت نفسه يراه تاريخ مجتمعات[8]. ويقول "رالف لنتون":«من الأمور ذات الدلالة الخاصّة أنَّ اصطلاحَي حضارة ومجتمع يُستعملان كمترادفين في غالب الأحيان... فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظّمة من الاستجابات الّتي تعلّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن»[9].

إلاّ أنّ هذا المصطلح لم يكن محلّ وفاق لدى جميع المفكِّرين والمؤرِّخين الغربيّين. وسنجد أنّ هناك اصطلاحاً آخر سيزاحمه في مدلوله أو بعض مدلوله على الأقلّ، أعني به المصطلح"culture"، وترجمته اللغويّة إلى العربيّة: "الثقافة"، وإن تُرجم بوصفه اصطلاحاً بواسطة عبارات أخرى سنتكلّم عنها لاحقاً.

 

ففي الوقت الّذي اصطلح فيه معظم المفكِّرين الغربيّين على استخدام عبارة "Civilization" للتعبير عن مميّزات مجتمع أو أمّة من الأمم وخصائصها الفكريّة والتشريعيّة والروحيّة والتقنيّة… فضّل بعضهم –ولا سيّما الألمان– تخصيص هذا المصطلح «بالمجتمعات الّتي بلغت مرحلة التنظيم الحضريّ والكتابة»[10]. ومن هؤلاء "ألفرد فيبر" الّذي يطلق مصطلح "Civilization" على «نموِّ فروع المعرفة وتقدُّم سبل السيطرة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدُّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب إلى آخر»، ويفرّق بين هذه الظاهرة والظاهرة الّتي يصنِّفها تحت اسم "Culture" الّتي «لا تسير في خطٍّ واضح المعالم كما تسير عمليّة المدنيّة»[11]. وهكذا يحلّ المصطلح "reCultu" (بالألمانيّة Kultur) لدى هؤلاء العلماء محلَّ المصطلح "Civilization" للدلالة على نمط العيش في مجتمعٍ ما، والّذي هو في نظر "إدوارد تايلور" «ذلك الكلّ المعقَّد الّذي يشتمل على المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والتقاليد والفلسفة والأديان وبقيّة المواهب والقابليّات والعادات الّتي اكتسبها الإنسان من مجتمعه الّذي يعيش فيه»[12]. وهو في رأي "كلايد كلوكهون" «مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معيّن، أي الميراث الاجتماعيّ الّذي يحصل عليه الفرد من مجموعته الّتي يعيش فيها، أو هي الجزء الّذي خلقه الإنسان في محيطه وهي الّتي تحدّد الأساليب الحياتيّة، أو هي طريقة في التفكير والشعور والمعتقدات، إنهّا معلومات الجماعة البشريّة مخزونة في ذاكرة أفرادها أو في الكتب أو في الموادِّ والأدوات»[13]. «وخلاصة القول: يُلاحظ أنّ هناك تداخلاً كبيراً في تناول الفكر الأوربّي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفاً لمفهوم "Culture" مثل تايلور، وهناك من جعله قاصراً على نواحي التقدّم المادّيّ من آلات ومؤسّسات واختراعات… وهناك من جعله شاملاً لكلّ نواحي التقدّم. وهناك من قصر المفهوم على نواحي التقدّم الخاصّة بالفرد، وهناك من رأى أنّها تشمل الفرد والجماعة، وهناك من رأى أنّها مفهوم عالمي –أي أنّ هناك "Civilization" واحدة دائماً وأنّ كلّ المجتمعات تساهم فيها بنصيب ما–  أمّا "Culture" فهي خاصّة بكلّ شعب، وهناك من رأى العكس»[14].

وهكذا نرى أنّ هذين المصطلحين تزاحما في الثقافة الأوربّيّة للدلالة على معنى مشترك إلى حدّ كبير، وهو مجموعة الخصائص الفكريّة والتشريعيّة والشعوريّة الّتي تسِم مجتمعاً ما بنمط معيّن من العيش. وقد حرصتُ على إيراد هذين المصطلحين (Civilization و Culture) باللغات الأوربّيّة لأنّه لم يكن هناك اتّفاق بين الكتّاب والمؤلِّفين العرب على وجه ترجمتهما. وهذا ما يدفعنا الآن  للانتقال إلى وجوه استعمال تلك المصطلحات في الثقافة العربيّة المعاصرة.

فبينما تزاحم هذان المصطلحان في اللغات الأوربّيّة، نجد في الكتابات والمؤلَّفات والترجمات العربيّة ثلاثة مصطلحات تقوم بهذا الدور، ألا وهي : "الحضارة والمدنيّة والثقافة".

فها هو جورج حدّاد يضع العبارات الثلاث مقترنة في محاولة لتعريفها، فيقول: «الحضارة والمدنيّة والثقافة: إنّ كلمة "حضارة" أو "مدنيّة" مشتقَّة بالأساس من الحضر ومن حياة المدينة (…) وهناك كلمة باللغات الأجنبيّة لها مفهوم يقرب من مفهوم الحضارة وهي "culture" (Kultur بالألمانيّة) وترجمتها بالعربيّة هي الثقافة، ومعناها أوسع، ويفهم منها الطريقة الّتي بموجبها يعيش الشعب ويفكّر (…) وكثيراً ما تستعمل كلمة "Culture" للدلالة على الحضارة والمدنيّة في اللغات الأجنبيّة، ولذلك قلنا إن كلمة "ثقافة" لا تكفي لترجمة معناها»[15].

 

فمصطلح "civilization" ترجم في أغلب الأحيان إلى العربيّة بعبارة "حضارة". فكتاب "ول ديورانت" الّذي يحمل اسم "The story of civilization" ترجم إلى العربيّة تحت عنوان «قصّة الحضارة»، وعُرِّب المصطلح إلى كلمة "حضارة" في معظم موارده. وكذلك الأمر في معظم ترجمات الكتب الّتي تحمل ذلك العنوان وتُرَدِّد تلك العبارة، ولا سيّما حين تكون تلك الكتب متخصِّصة في موضوع المجتمعات البشريّة التاريخيّة منها والمعاصرة.

إلاّ أنّ بعض الكُتّاب العرب المتأثِّرين باصطلاح الألمان ومن هم على نهجهم، يترجمون كلمة "Civilization" بكلمة "مدنيّة". فها هو  "إحسان محمّد الحسن" الّذي ترجم «معجم علم الاجتماع الّذي حرَّره البروفسّور دينكن متشل» يعرِّب المصطلح " Civilization" بعبارة "المدنيّة"[16].

أمّا المصطلح "Culture"، فغالباً ما تُرجم باستخدام كلمة "الثقافة"، وهي الترجمة الّتي تراعي المعنى اللغويّ لا الاصطلاحيّ. إلاّ أنّ كثيراً من الكتّاب المعاصرين يرون أنّ كلمة "ثقافة" لا تفي بمعنى المصطلح الغربيّ "culture" –كما مرّ معنا سابقاً في كلام جورج حدّاد– لذلك تُرجمت "Culture" إلى العربيّة بـ"حضارة".

«برز استخدام اللفظ العربيّ "حضارة" مقابل اللفظ الإنكليزيّ "Culture"  في كتابات علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا العرب في ترجماتهم للمؤلَّفات الأوربّيّة في هذين الحقلين، ومن ثَمّ فقد شاع الحديث عن مفهوم الحضارة، والمقصود به ال "Culture" في المدلول الأوربّي. فنجد مثلاً الّذين ترجموا كتابات كلايد كلوكهون ورالف لنتون ولويس مورغان وجوردن تشايلد…إلخ  استخدموا في ترجماتهم لفظ حضارة كترجمة لـ "Culture"  ويُلاحظ أنّ هؤلاء المترجمين عندما يتعرَّضون للّفظ الأوربّيّ  "Culture" يطلقون عليه اللفظ العربيّ "المدنيّة"»[17].

وها هو أيضاً  "إحسان محمّد الحسن" مترجم معجم علم الاجتماع  لدينكن متشل يعرّب مادّة "Culture" تحت عبارة "الحضارة". وهكذا تزاحمت العبارتان "الحضارة" و"المدنيّة" في الكتابات العربيّة المعاصرة للدلالة على معنى واحد أو على معان متداخلة. فيقول  "جميل صليبا" مثلاً في معجمه الفلسفيّ: «الحضارة بمعنىً ما مرادفة للثقافة. إلاّ أنّ هذين اللفظين لا يدلاّن عند العلماء على معنى واحد، فبعضهم يطلق لفظ الثقافة على تنميّة العقل والذوق، وبعضهم يطلق لفظ الثقافة على مجموع عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات. وكذلك لفظ الحضارة، فإنّ بعضهم يطلقه(…) على حالة من الرقيّ والتقدّم في حياة المجتمع بكاملها. وإذا كان بعض العلماء يطلق لفظ الثقافة على المظاهر المادّيّة، ولفظ الحضارة على المظاهر العقليّة والأدبيّة، فإنّ بعضهم الآخر يذهب إلى عكس ذلك … »[18].

 

بعد هذا العرض المفصّل لواقع المصطلح لدى المفكِّرين الغربيّين والعرب، لا بدّ لنا من الوصول إلى اختيار التعريف المنضبط المناسب للمصطلح، وهو المعنى الّذي ستعتمده هذه الدراسة في إيرادها مصطلح "الحضارة" بين سطورها وفي أبحاثها.

 

ب – الحضارة

 

يستفاد من النصوص السابقة أنّ "الحضارة" –سواء اعتبرناها ترجمة لعبارة Civilization أو لعبارة Culture الأوربّيتين ووفق المعنى الّذي استقرّتا عليه– يراد منها التعبير عن طراز العيش الّذي يسود مجتمعاً من المجتمعات ، أي هويّة ذلك المجتمع. وعلى حدّ تعبير "رالف لنتون" «فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظَّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظَّمة من الاستجابات الّتي تعلَّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن»[19]. وواضح للعيان تاريخاً وحاضراً أنّ لكلّ مجتمع طريقة في العيش تميّزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشريّة ذات شخصيّة معيّنة ولون متميّز وهويّة خاصّة  هذه الطريقة من العيش الّتي تميّز مجتمعاً عن آخر هي ما يعبَّر عنه "بالحضارة". لذلك لا بدّ من أجل الوصول إلى "تعريف الحضارة" من معرفة العوامل الّتي تجعل للمجتمع طريقته الخاصّة في العيش، وتميّزه عن سائر المجتمعات.

 

من المعلوم أنّ المجتمع هو مجموعة من الناس تؤلِّف بينهم علاقات مستمرّة، بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يتميّز، أو على حدّ تعبير "توينبي" « إنّ المجتمع البشريّ هو في ذاته نظام للعلاقات بين الكائنات البشريّة »[20]. وهذا النظام الّذي يربط الأفراد فيشكلّ المجتمع إنّما هو مجموع ما يحمله هؤلاء الناس من أفكار ومشاعر وما يرعى شؤونهم من تشريعات وقوانين. فسلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين إنّما تتحكّم بها مفاهيمُه الّتي هي مزيج من الفكر والشعور، كما أنّ التشريعات الّتي تقوم السلطة على رعايّة شؤون المجتمع بها، تتحكّم إلى حدّ كبير بعلاقات المجتمع، وبالتالي تؤثِّر إلى حدّ بعيد في نمط العيش فيه.

وبناء عليه فإنَّ المجتمع هو «مجموعة من الناس تربطهم أفكار ومشاعر وأنظمة»، وإنّ هذا المجتمع يصنَّف بحسب هذه المنظومة من الأفكار والمشاعر والأنظمة، فإن كانت إسلاميّة مثلاً كان إسلامّياً، وإن كانت ليبراليّة كان ليبراليّاً… وهذه هي عين الحضارة. فالحضارة والمجتمع على حدّ تعبير "رالف لنتون" «يتّصلان ببعضهما عن طريق الأفراد الّذين يكوِّنون المجتمع ويفصح سلوكهم عن نوع حضارتهم»[21] .

 

يقول "صامويل هانتغتون" :«فما الّذي نعنيه عندما نتحدّث عن حضارةٍ ما؟ إنّ الحضارة هي كيان ثقافي. فالقرى والأقاليم والمجموعات الإثنيّة والقوميّات والمجموعات الدينيّة لها جميعها ثقافات متميِّزة… وهكذا فإنَّ الحضارات هي أعلى تجمُّع ثقافيّ للناس وأوسع مستوى للهويّة الثقافيّة للشعب ولا يسبقها إلاّ ما يميِّز البشر عن الأنواع الأخرى. وهي تحدَّد في آن معاً بالعناصر الموضوعيّة المشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسَّسات، وبالتحديد الذاتيِّ الّذي يقوم به الشعب نفسه»[22] .

ويقول "مصطفى علم الدين": «الحضارة هي نمط عيش مجموعة بشريّة معيَّنة، في بيئة معيَّنة يتمثَّل في النظام الّذي تعتمده المجموعة وفي سلَّم القيم الاجتماعيّة الّتي تحدِّدها لنفسها. وفق هذا التعريف، نستطيع القول إنّ لكلّ "مجتمع" حضارته الذاتيّة المتميّزة»[23]. وبناءً عليه، نخلص إلى التعريف التالي للحضارة: «إنَّها مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي تصوغ طريقة العيش في مجتمع من المجتمعات».

فالحضارة المصريّة القديمة مثلاً، أو الحضارة اليونانيّة أو حضارة أوربّا العصور الوسطى… هي تلك المنظومات من الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي صاغت كلّاً من مجتمعات مصر القديمة واليونان وأوربّا العصور الوسطى… إذ إنّ هذه المنظومات هي الّتي تعطي هذه المجتمعات هويّتها وشخصيّتها.

 

ج - المدنيّة

 

وبناءً على هذا التعريف، من الخطأ إدراج ما ليس من هذه المجموعة الّتي تتكوّن منها الحضارة ضمن مدلول "الحضارة"، ولا سيّما المستوى العلمي والتقني والأشكال والوسائل المادّيّة الّتي يستعملها الإنسان في حياته اليوميّة ممّا لا يرتبط بوجهة نظره عن الحياة. فالصناعات والمبتكرات والعلوم الطبيعيّة والوسائل المادّيّة والأشكال المستحدثة ليست هي الّتي تعطي المجتمع هويّته، وليست هي الّتي تصوغ طراز عيشه وتميّزه عن سائر المجتمعات، بل هي مما تتبادله الشعوب في كثير من الأحيان دون أن يؤثِّر على هويّتها الحضاريّة. وقد سبق وأسلفنا أنّ "موريس كروزيه" يرى أنّه حتّى الأقوام المتوحّشة لها حضارتها الخاصّة بها[24]. ومن هذا المنطلق حرص بعض المفكِّرين الغربيّين على التمييز بين المصطلحين   "Civilization" و"Culture". فخصّوا الأوّل –كما فعل" ألفرد فيبر"– بعمليّة «نموّ فروع المعرفة وتقدّم سبل السيطرة الفنيّة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب لآخر»[25]، وعبّر عنه بعض الكتّاب العرب بكلمة "مدنيّة" ، وخصّوا الثاني بتلك المنظومة المعقّدة من المعارف والعادات والأخلاق والقوانين … الّتي اكتسبها الإنسان من مجتمعه الّذي يعيش فيه، وعبّر عنه بعض الكتّاب العرب بكلمة "حضارة"[26].

 

وها هو "رالف لنتون" يفرّق بين عناصر الحضارة وبين الجهاز التقني الّذي يملكه المجتمع، ويرى أنّ الحضارات الّتي تتشابه جدّاً في تكنولوجيّتها قد تختلف اختلافاً تامّاً في تكوينها الاجتماعيّ وفي ديانتها وفي فنّها[27]. ثمّ يفيدنا أنّ «علماء الدراسات الأنتروبولوجيّة يميلون الآن إلى إخراج تلك الأشياء نفسها من مفهوم الحضارة »[28].

 

وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الطبيعيّة الّتي أنتَجت – ولا زالت تنتج – الابتكارات والوسائل والأشكال المادّيّة المستعملة في شؤون الحياة، فهي على حدّ تعبير "توبي هاف" «ليست موروثة لمجتمع قومي ولا لجماعة عرقيّة ولا لأمّة معيّنة، وإنّما لِسِمتها العالميّة، فإنّ لها القدرة على أن تتجاوز الحدود». ثمّ يضيف: «إنّه لأمر مهمّ أن يعرف العالم أنّ أوربّا في القرن السابع عشر لم تنشر العلم "الأوربّي" أو "الغربيّ" وإنّما القول الصحيح إنّه العلم العالمي، أو بتعبير آخر: العلم الحديث في مقابل العلوم القديمة والعصور الوسطى»[29].

لذلك كان لا بد من تخصيص كلمة "المدنيّة" للدلالة على مجموعة الأشكال والوسائل المادّيّة المستخدمة في شؤون الحياة، أو للدلالة على المستوى الّذي وصلت إليه البشريّة في المجال التقني والصناعيّ. وبالتالي كان من الحريّ أن يتمّ الفصل بين الدراسات الّتي تتناول التاريخ الحضاريّ للأمم والشعوب والمجتمعات وبين الدراسات الّتي تتناول تاريخ التطوّر العلميّ والصناعيّ لدى الجماعات البشريّة، والّتي من الأحرى بها أن تندرج ضمن ما يعرف بتاريخ العلوم. إذ لكلّ منهما مساره الخاصّ به. فللحضارة وحداتها البشريّة المستقلّة، بينما للمدنيّة مسارها العالميّ العامّ.

 

د - الثقافة

 

وإتماماً لفائدة البحث، وبعد أن حدّدنا تعريفاً لكلّ من "الحضارة" و"المدنيّة"، لا بدّ من إعطاء الرأي في مسألة "الثقافة". فَلَئِن ترجم البعض المصطلح "Culture"بعبارة "الثقافة" وجعلها مرادفاً لما اصطلحنا عليه "بالحضارة"، فإنّنا نرى بعض التمايز بين المصطلحين. ذلك أنّ الثقافة تحمل مدلولاً أوسع من الحضارة. فهي تُطلق عادة على المعارف العقليّة لدى الإنسان. إلاّ أنّ هناك ميلاً لدى كثير من المفكِّرين والكتّاب إلى إخراج "المعارف العلميّة البحتة" من مدلولها، وهي المعارف الّتي يُطلَق عليها في اللغات الأوربّيّة مصطلح Science. ذلك أنّ تلك الأخيرة تتّسم -كما سبق لنا القول– بالسمة العالميّة والتواصل المطّرد، وإن كانت تعبُر في هذا التواصل من خلال الحضارات والشعوب والأمم المتعدّدة. بينما تكون الثقافة في العادة سمة لحضارة أو شعب أو أمّة أو لغة أو حتّى فرد. فالثقافة قد تُنسَب إلى حضارة معيّنة فتكون في مدلولها قريبة إلى حدّ كبير من الحضارة، وإن بقيت تحمل مدلولاً أوسع. فالثقافة الإسلاميّة مثلاً، هي مجموع المعارف الّتي كانت العقيدة الإسلاميّة سبباً في بحثها، مثل علم التوحيد والفقه والتفسير والحديث وعلوم اللغة العربيّة –بوصفها لغة القرآن- ومصطلح الحديث وعلم أصول الفقه… وقد تُنسب الثقافة إلى اللغة كالثقافة الفرنسيّة مثلاً، فتكون دالّةً على مجموعة المعارف العقليّة الّتي تمّ التعبير عنها أساساً باللغة الفرنسيّة. وقد تُنسَب الثقافة إلى فرد، للدلالة على المستوى المعرفي الّذي وصل إليه إنسانٌ ما، فيقال ثقافة زيد واسعة وثقافة عمرو متماسكة أو فوضويّة، أو للدلالة على نمط ثقافته، فيقال ثقافة "هيغل" وثقافة "شبنجلر" وثقافة "الغزاليّ" …

 

ولتوضيح مجال الوفق والفرق بين "الثقافة" و"الحضارة" نقول :

إنّ الحضارة هي ذلك الجانب من الثقافة الّذي تحوّل إلى مفاهيم مشتركة في مجتمعٍ ما. بحيث شكّل عرفاً عامّاً له وصاغ مشاعر الناس فيه واستأثر برعايّة شؤونهم، فجعله مجتمعاً معيّناً ذا شخصيّة خاصّة وهويّة متميّزة. وبناءً عليه، من الخطأ إدخال المعارف الثقافيّة الّتي لم تتحوّل إلى واقع يعيشه الناس في مجتمعهم في مفهوم الحضارة. فإذا كانت الثقافة الغربيّة الحديثة والمعاصرة –على سبيل المثال- تحوي العديد من التيّارات الفكريّة المتفاوتة – وربما المتضاربة -  فلا يصحّ أن نُدخل في مفهوم "الحضارة الغربيّة" إلاّ تلك الّتي وجدت قبولاً لدى الرأي العامّ، فتحوّلت عرفاً عامّاً أسهم في صياغة المجتمع ونمط عيشه. وأمّا ما سواها فإنّها تبقى ثقافات فرديّة مهما كثر أتباعها من "الأفراد". وبتعبير مختصر : إنّ الحضارة هي "الثقافة المكوِّنة" للمجتمع، وهو المصطلح الّذي اقترحه بعض المفكِّرين الألمان، ولفظه في الألمانيّة "Bildung" [30].

 


 

[1]-  العلاّمة عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون – المقدمّة - دار الجيل،بيروت – دون تاريخ - ص 132

[2]- رولان بريتون – جغرافيا الحضارات  –تعريب خليل أحمد خليل – منشورات عويدات،بيروت باريس – الطبعة الأولى 1993 -ص19 

[3]- المرجع السابق – ص 20

[4] - تاريخ الحضارات العامّ – إشراف موريس كروزيه – نقله إلى العربيّة فريد داغر وفؤاد أبو ريحان – منشورات عويدات ،بيروت – الطبعة الأولى 1964-  مجلد 1 – ص 17

[5]- جغرافيا الحضارات – ص 20 

[6]- نقلاً عن : محمّد فتحي عثمان – مدخل إلى التاريخ الإسلاميّ – دار النفائس، بيروت – الطبعة الأولى 1992 – ص 476

[7]- تاريخ الحضارات العام – م1 – ص 18

[8]- انظر : أرنولد توينبي  –مختصر دراسة للتاريخ – تعريب فؤاد محمّد شبل – الادارة الثقافيّة في جامعة الدول العربيّة، القاهرة – الطبعة الأولى 1960 – ج1 – المقدّمة ص3 وما بعدها

[9]- رالف لنتون – شجرة الحضارة – ترجمة  أحمد فخري – مكتبة الإنجلومصريّة – دون تاريخ - ج1 –ص 65

[10]- جغرافيا الحضارات – ص31

[11]- دينكن متشل - معجم علم الاجتماع - ترجمة ومراجعة : إحسان محمّد الحسن – دار الطليعة ، بيروت – الطبعة الأولى 1980 – مادّة Civilization

[12]- المرجع السابق – مادّة Culture

[13]- نصر محمّد عارف - الحضارة ، الثقافة ، المدنيّة - المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ ، فرجينيا - 1995م - ص 21

[14]- المرجع السابق – ص 39-40

[15]- جورج حدّاد  –المدخل إلى تاريخ الحضارة – مطبعة الجامعة السوريّة – 1958م - ص 17-18

[16]- معجم علم الاجتماع -  مادّة : المدنيّة

[17]- الحضارة ، الثقافة ، المدنيّة  - ص 29

[18]-  جميل صليبا – المعجم الفلسفي بالألفاظ  العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة واللاتينيّة – دار الكتاب اللبناني - مادّة «الحضارة».

[19]- شجرة الحضارة – ج1 – ص 65 . انظر أيضاً في هذا الموضوع: مختصر  دراسة للتاريخ – ج1 – ص 354

[20]- مختصر دراسة للتاريخ – ج1 – ص353

[21]- شجرة الحضارة  – ج1 – ص71

[22]- صامويل هانتنغتون - صدام الحضارات – إصدار مجلة شؤون الأوسط – مركز الدراسات الإستراتيجيّة والبحوث والتوثيق، بيروت- 1995 – ص18-19 

[23]- مصطفى علم الدين – المجتمع الإسلاميّ في مرحلة التكوين – دار النهضة العربيّة، بيروت- 1992 – ص6

[24]- انظر : تاريخ الحضارات العام – م1 – ص 18 

[25]- معجم علم الاجتماع – مادّة «المدنيّة» .

[26]- المرجع السابق – مادّة «الحضارة» .

[27]- انظر : شجرة الحضارة  – ج1 – ص75 

[28]- المرجع السابق – ج1 – ص78

[29]- توبي هاف – فجر العلم الحديث – ترجمة  أحمد محمود صبحي – سلسلة عالم المعرفة، الكويت – الطبعة الأولى1997 – ج1 – ص83-84

[30]- انظر : جغرافيا الحضارات – ص21