المحاسبة والمعارضة

 

المبدأ الرأسمالي الغربي مبدأ وضعي، عقيدته -وهي فصل الدين عن الحياة- مناقضة للعقيدة الإسلامية، ونظامه مخالف لنظام الإسلام، لا يستند إلى وحي الله، وإنما يستند إلى الشعب، فالشعب في هذا المبدأ، مصدر السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية.

ومن المساوئ البارزة لهذا النظام مقولة الأكثرية، فاختيار الحاكم ومجلس النواب وإعطاء الثقة للوزارة وسن القوانين كلها تتم – على زعمهم – بأكثرية أصوات الشعب أو بأكثرية أصوات من يمثل الشعب، وهي فكرة مخالفة للحقيقة، ولا تنطبق على الواقع الصحيح، لأنّ أكثرية المقترعين، في معظم بلدان العالم، لا تمثل أكثرية أصوات الشعب، كما هو حاصل في الانتخابات البرلمانية، حيث بهذه البرلمانات تسن القوانين، وتتخذ القرارات، وتعطى الثقة للوزارات.

وحتى يضمن القائمون على هذا المبدأ بقاءه، وإقناع الناس بصلاحيته، وضعوا طريقة لاحتواء المعارضين، فباسم حرية الرأي الذي ينادي بها النظام الديمقراطي، سمحوا بتعدد الأحزاب، فيصل بعضها أو مؤيدوها إلى سدة الحكم إن حصلت على أغلبية برلمانية، وتظل بقية الأحزاب ومؤيدوها في صف المعارضة، التي عادة ما تكون خارج السلطة التنفيذية.

وأحزاب المعارضة هذه، هي التي تتولى قيادة الناس المعارضين لقرارات وتصرفات السلطة التنفيذية، وتدخل مع هذه السلطة في حوارات ومفاوضات وربما تحولت إلى إضرابات واعتصامات.

ولكن ضمن الدستور وما ينبثق عنه من قوانين، تحت شعارات الصالح العام، ومصلحة الوطن، ومجاراة الظروف والأوضاع.

فالمعارضة في النظام الديمقراطي، وظيفة تقتضيها ((اللعبة الديمقراطية)) المقصود منها احتواء وامتصاص التيار المعارض، لتسهيل سنّ القوانين وتنفيذ القرارات، وتمرير المشروعات، التي تتبناها – على حد زعمهم – السلطة الممثلة للأغلبية الشعبية.

فالتيار المعارض، الذي يسير في خط معاكس لخط السلطة، مرسوم له أن لا يصطدم معه لإيقافه، وإنما مرسوم له أن يكون موازياً له، ليسير كل منهما في الاتجاه المعين له. السلطة تنفذ أعمالها باسم الأغلبية المزعومة، والمعارضة تقود الرأي الآخر وتحتويه لتحمي النظام منه. فالمعارضة – كما قالوا – صمام الأمان، تخدم النظام، فتزين وجهه القبيح للأكثرية، وتمتص نقمة الساخطين عليه، وتخمد حماس المخالفين له.

هذه هي المعارضة، بالنسبة للدول الرأسمالية الحقيقية، كبريطانيا وفرنسا وأمريكا، أما بالنسبة لدول العالم الثالث، ومنه الدول القائمة في العالم الإسلامي، والتي تدعي الديمقراطية، أو التي أجبرت على ارتدائها، فإنها قد صنعت ((المعارضة المشروعة)) بيديها، وشكلتها على هواها، بالشكل الذي تريده كماً وكيفاً، لتكون خادمة لها في بقائها، وفي ادعائها الديمقراطية وحرية الرأي، من أجل تنفيذ ما تطلبه الدول السيدة منها.

هذه هي حقيقة المعارضة، وفي النظام الديمقراطي الحقيقي، وفي الأنظمة الديمقراطية المزيفة.

أما المحاسبة، وهي الطريق الشرعي الذي أتى به الإسلام لتقويم اعوجاج الحاكم، وإعادته إلى جادة الصواب، إن أخطأ أو انحرف عن الطريق المستقيم الذي شرعه الله، فهي مسؤولية الأمة أفراداً وأحزاباً، لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ...) ولقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...) ... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكونان لمجرد المعارضة، وهي إظهار عدم الرضا فقط، وإنما يكونان من أجل حمل الحاكم على الالتزام بأوامر الله ونواهيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، حاكماَ في عباد الله بالإثم والعدوان، ولم يغيّر عليه بقول أو فعل، كان على الله أن يدخله مدخله)) وقال أيضاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) فالقصد من المحاسبة، ليس إظهار عدم الرضا فقط، وإنما هو العمل لتغيير ما يراه المحاسب منكراً مخالفاً لشرع الله، بما يستطيعه من قول أو فعل، قال عليه السلام: ((لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا يا رسول الله، وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالاً ثم لا يقول به، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا، فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى)) والله تعالى يقول: (فلا تخشوهم واخشوني...) فلا يحق لمسلم أن يسكت عن قول الحق كلما لزم ذلك، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، يستحق عذاب الله بسبب سكوته.

ولقد وضع لنا الإسلام مقياساً دقيقاً للمحاسبة، وهو شرع الله، وليس العقل أو المصلحة أو الأكثرية الشعبية، أو الأغلبية البرلمانية، قال تعالى: (...فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله، واليوم الآخر...) فالتحاكم في النزاع مع الحاكم أو في محاسبته يكون مرده إلى كتاب الله وسنة رسوله، وليس للقوانين الوضعية أو المواثيق الدولية، أو الأغلبية.

والمحاسبة مسؤولية شرعية، أدركها الصحابة والمسلمون منذ قيام الدولة الإسلامية، فقد حاسبوا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وفي تقسيم غنائم غزوة حنين، وحاسبوا الخلفاء الراشدين من بعده، فأقرهم الرسول، ولم ينكر عليهم الصحابة، وهذا أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الناس المحاسبة على أساس الإسلام فيقول: ((إن أحسنت فأعينوني، وإن صدفت فقوموني...)) ويقول: ((أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم...)) وهذا أحد المسلمين يقول لعمر بن الخطاب أمام الجمهور: ((لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا)) فيرد عمر عليه: ((الحمد لله الذي أوجد من يقوم اعوجاج عمر بحدِّ سيفه))، وهذه امرأة واحدة من المسلمين، تصوب رأي عمر في تحديد مهور النساء، فينزل عند اجتهادها قائلاً: ((أخطأ عمر وأصابت امرأة))، فالأغلبية في المحاسبة لا قيمة لها، كثرت أم قلت، وإنما القوة تأتي من الدليل الشرعي الذي يستند إليه المحاسبون، فلو قال – مثلاً – أغلب الحكام والنواب، ودعمتهم وسائل الإعلام، إن اليهود لا يضمرون العداوة للمسلمين وإن إنهاء حالة العداوة والحرب معهم، وهم يحتلون أرض المسلمين، جائز فلا قيمة لهذا الرأي، ولا قيمة لهذه الأقوال، لأن فيها تحدياً وتكذيباً لقول رب العالمين: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا...) ولقوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم...) ويقول تعالى لهؤلاء المتقولين عليه: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً، وكذب بآياته، إنه لا يفلح المجرمون).

وليس حتماً أن ينزل الحاكم المسلم عند رأي المحاسبين له، إن رأى أن رأيهم لا يستند إلى دليل شرعي، أو أن رأيه يستند إلى دليل أقوى من الدليل الذي يستندون إليه، فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، لم يلتفت لرأي عمر بن الخطاب وغيره من المعارضين لشروط الصلح مع قريش، لأن الوحي هو الذي طلب منه ذلك، فقال لهم: ((إني عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني))، وقد اعترض عمر بن الخطاب على أبي بكر في قتاله مانعي الزكاة، فلم يأخذ باعتراضه، وبين له صحة رأيه وقوة الدليل الشرعي الذي يستند إليه، وكذلك لم يخضع الخليفة عمر بن الخطاب لرأي بلال بن رباح وصحبه عندما احتجوا عليه في إبقائه العراق بيد أهلها، حيث واجههم بالدليل الشرعي الذي يستند إليه في تصرفه، وهو آيات توزيع الفيء من سورة الحشر، فسكتوا.

والمحاسبة للحكام للتغيير عليهم، كما كانت مطلوبة من المسلمين في دولة الخلافة، فهي مطلوبة الآن وإلى يوم القيامة، ولا سيما أننا نعيش حياة عمَّ فيها الفساد، وزادت المنكرات، وحيكت فيها الدسائس لضرب الأمة الإسلامية، ومنعها من تحكيم دينها وإعادة دولتها.