بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

أحكام الضرر

 

أباح الله الأشياء بأدلة عامة كقوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض....) (20/لقمان)، واستثنى من هذه الأشياء بعضها، فحرمها بأدلة خاصة كقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير...الآية) (3/المائدة)، وإن وجد ضرر في هذه الأشياء من الأشياء المباحة، حرم ذلك الشيء لكونه ضارّاً، بنص القاعدة الشرعية: (كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضاراً حرم ذلك الفرد، وظل الأمر مباحاً) ودليل هذه القاعدة هو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحِجر، وهي منازل ثمود قوم صالح، واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا (استراحوا في العشية) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم اللية إلا ومعه صاحب له..) فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء بئر الحِجر لأنه ضار بعينه، وأما جنس الماء فظل مباحاً بالدليل العام. وإن كان التصرف بشيء من الأشياء المباحة يؤدي إلى ضرر الآخرين، فإن هذا الشيء يكون حراماً في هذه الحالة بنص القاعدة الشرعية: (كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً) ودليلها هو ما روي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يخرج من وشل، ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقين منه شيئاً حتى نأتيه، قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف عليه، فلم ير فيه شيئاً، فقال من سبقنا إلى هذا الماء ؟ فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان فقال: أولم أنههم أن يستقوا منه شيئاً حتى آتيه، ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم) فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب ماء وادي المشقق، حتى يأتيه، لأن شربه من البعض أدى إلى ضرر الآخرين الذين لم يجدوا في الوادي ماء يستقون منه.

 

فالشارع أباح الماء، ولكنه حرم ماء بئر الحِجر لأنه ضار، وحرم ماء وادي المشقق لأن انتفاع البعض به أدى إلى ضرر الآخرين وبذلك يكون الضرر في بعض الأشياء، أو الضرر الذي يؤدي إليه الانتفاع ببعض الأشياء سبباً في تحريم الأشياء الضارة أو الأشياء المؤدية إلى ضرر. لأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم قد يكون نصاً كقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وقد يكون القاعدة الشرعية المستنبطة من النصوص الشرعية: (كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر.. القاعدة).

هذا بالنسبة للأشياء، أما الأفعال فالأصل فيها التقيد وحكم الفعل في الشرع، يكون واحداً من الأنواع الخمسة التالية: الفرض، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.

 

وقد أباح الشارع بعض هذه الأفعال بأدلة عامة، وهي الأفعال الجبلية، كالنظر، والأكل، والمشي، وغيرها، قال تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض..) (10 / يونس) وقال تعالى: (كلوا من رزق الله واشكروا له..) (15 / سبأ) وقال تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) (15 / الملك). وجاءت أدلة أخرى مخصصة الأدلة العامة، فأخرجت بعض أنواع النظر والأكل والمشي، جاعلة لها أحكاماً غير الإباحة، كالحرام والفرض والندب والكراهة، وكذلك جاءت قاعدة: (كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً)، فأخرجت هذه القاعدة الأفعال الضارة أو المؤدية إلى ضرر من عموم الأفعال الجبلية المباحة، وجعلت حكمها الحرام، لأن لفظ الأمر يعني الفعل والشيء، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في آخر حديث الحجر: (ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له) غير أن رجلين من بني ساعدة خالفا الأمر، إذ خرج أحدهما لحاجته فخنق على مذهبه، أي  في طريقه، وخرج الآخر في طلب بعير له، فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل في طيء، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه) ثم دعا للذي أصيب في طريقه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبل طيء، فإن طيئاً أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم إلى المدينة المنورة.

 

فالأفعال إن طرأ عليها ما يجعلها ضارّة أو تؤدي إلى ضرر أصبحت حراماً، كالشرب والوضوء والخروج ليلاً في حديث الحجر، وكالشرب في حديث وادي المشقق، وظل جنس هذه الأفعال مباحاً، لأن الضرر كان طارئاً عليها، وليس موجوداً في تكوينها، فالشرب والخروج ليلاً والوضوء أمور غير ضارة، وقد أجازها الشارع، وإنما طرأ ضرر على أفراد منها فصارت هذه الأفراد حراماً بنص القاعدة الشرعية المستنبطة من الأحاديث النبوية. فإعطاء المعلومات – مثلاً – أمر مباح، ولكن إعطاء معلومات عن حملة الدعوة للسلطات المناهضة للدعوة، إن كانت تلحق ضرراً بحملة الدعوة فحرام، لأنه واقع انطبقت عليه قاعدة: (كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً).

 

هذا بالنسبة للضرر الطارئ، أما إن كان الضرر موجوداً في طبيعة الفعل، ولم يرد خطاب الشارع ما يدل على حكم هذا الفعل بعينه، فيكون كونه ضاراً دليلاً على تحريمه، لأن الله حرم الضرر، وقاعدته الشرعية: (الأصل في المضار التحريم)، ودليلها قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من ضارّ أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه) .

 

والضرر ضد النفع، ومنه إيقاع الإنسان الأذى بغيره أو بنفسه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيقاع أي ضرر، بقوله: (لا ضرر ولا ضرار) لأن النكرة في سياق النفي تدل على العموم.

 

إيقاع الإنسان الضرر بغيره:

 

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ضرر للآخرين، كبيراً كان أو صغيراً، قال صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقال أيضاً: (من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة)، وقال: (لا يحل للمسلم أن يروع مسلماً). وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الإضرار بالآخرين، قال تعالى: (لا يضار كاتب ولا شهيد)  (282/ البقرة)، وقال تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) (231/ البقرة). وقال تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود بولده) (233/ البقرة)، فإيقاع الضرر بالآخرين منهي عنه نهياً جازماً، قليلاً كان أو كثيراً، بقرينة قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل)) وبقرينة قوله: (لعنته الملائكة) فهو حرام قطعاً.

 

فإن قال لك أحدهم: أنا أتضرر من رائحة دخانك، أو من صوت راديتك (راديو) أو من صوت تلفازك، أو من فتح نافذتك، عليك أن تكف عن هذا الضرر، وإلا فأنت آثم.

 

إيقاع الإنسان الضرر بنفسه :

 

جاء لفظ الضرر في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) عاما يشمل كل ضرر، سواء أكان إيقاع الإنسان الضرر بغيره أو بنفسه، فالله لم يكلف عباده ما يضرهم، وينهاهم عن إلحاق الضرر بأنفسهم، فقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يمشي، فقيل له: إنه نذر أن يحج ماشياً، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لغني عن مشيه، فليركب) وفي رواية (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه)، وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يفطر بنهاره، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (مروه فليستظل، وليتكلم، وليقعد، وليتم صومه)  رواه البخاري.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها) (متفق عليه) هذه النصوص تدل على أن إلحاق الإنسان الضرر بنفسه يكون مكروهاً، لأن طلب الترك في الأحاديث السابقة طلب غير جازم، لا يأثم فعله، وإن كان تركه امتثالاً لأمر الله يمدح على تركه ويثاب.

 

ويستدل من نصوص أخرى على أن إلحاق الإنسان الضرر بنفسه يكون مندوباً، ومن هذه النصوص ما روي عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) والله سبحانه وتعالى خاطبه بقوله: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)، وروي عن عطاء بن رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أنكشف، فادع الله لي، قال صلى الله عليه وسلم: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أنكشف فادع الله أن لا أنكشف، فدعا لها) (متفق عليه)، فهذه المرأة اختارت الصبر على الضرر مقابل أن يكون لها الجنة، وقد أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيارها وقبولها الضرر الذي يلحق بها.

 

وهناك نصوص تدل على أن إيقاع الإنسان الضرر بنفسه، إن بلغ الضرر حداً معيناً يكون حراماً. قال صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً). فالضرر الذي يؤدي إلى الهلاك حرام، وكذلك إن كان يخشى من الضرر الهلاك كان حراماً أيضاً، وقد فهم الصحابة ذلك من قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً، فسوف نصليه ناراً..) (29-30/ النساء)، فقد روي عن عمرو بن العاص أنه قال: (احتلمت في ليلة باردة، غزاة ذات السلال، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو، وصليت بأصحابك وأنت جنب! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) وقد أورد البخاري هذا الحديث في (باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم) فالضرر الذي يؤدي إلى الهلاك، أو الذي يغلب على الظن أن يؤدي إلى لهلاك، يحرم على المرء أن يوقعه في نفسه بقرينة قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدواناً و ظلماً، فسوف نصليه ناراً.. ).

 

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عن أن يوقع الإنسان بنفسه ضرراً يحول دون قيامه بما هو واجب عليه شرعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى) أي لا يفر إذا لاقى العدو في القتال لقوة نفسه، بما أبقى فيها، نتيجة صيامه وصلاته الموصوفين في الحديث، فعبادته لم تؤثر على قتاله وثباته للعدو، ولم تجعله ضعيف الجسم، بحيث يفر عند لقاء العدو، لأن الفرار من القتال حرام، ولأن وجود ضرر على وجه معين عند المسلم يعفيه من القتال، قال تعالى: (ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً) (117/ الفتح)، فالقادر على القتال إن استنفر ولم ينفر يعذبه الله عذاباً أليماً، (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) (39/ التوبة)، فإن أوقع المسلم الضرر بنفسه لكي يصبح من أولي الضرر الذين ذكرهم الله في الآية، ويعفى من القتال، فقد دخل فيمن يتولى عن القتال، واستحق عذاب الله، لأته فعل فعلاً يوصل حتماً إلى الحرام، وهو التولي عن القتال، والقاعدة الشرعية تنص: (الوسيلة إلى الحرام حرام)، وقد ذم الله القاعدين عن القتال، والذين يختلقون الأعذار للقعود عنه، قال تعالى: (وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حراً) فكيف بمن يوقع بنفسه ضرراً يقعده عن القتال؟!.

 

والضرر الذي يقعد صاحبه – إن فعله بنفسه – عن القيام بالتكاليف الشرعية الواجبة عليه، يندرج تحت قاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام) لأن الضرر الذي إن أوقعه في نفسه، منعه من القيام بالفرض، وضرر يؤدي إلى حرام، وهو الإقعاد عن القيام بالفروض، كالجهاد في سبيل الله، وحمل الدعوة الإسلامية، والحج، وطلب الرزق، وغيرها. قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو عندما سمعه يقول: لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، فقال له صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، صم وافطر، ونم وقم ، فان لجسدك عليك حقاً، وان لعينيك عليك حقاً، وان لزوجك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) فعلى المسلم حقوق لله، وحقوق للناس ولنفسه، وأن هذه الحقوق، وخاصة الواجب منها، مطلوبة منه على وجه الإلزام، فلا يجوز له أن ينهك جسده بأي عمل، بحيث يصبح غير قادر على أداء هذه الحقوق الواجبة فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إنهاك الجسد بالصلاة النافلة، وبصيام التطوع ليظل قادراً على أداء الحقوق، فكيف إن كان الضرر آتياً من الإنسان نفسه بغير ذلك، كأن يقطع يده، أو يتناول مادة تسبب له مرضاً مزمناً يقعده عن أداء هذه الحقوق.

 

فأي ضرر يوقعه الإنسان بنفسه، ويمنعه من القيام بالتكاليف الشرعية الواجبة عليه يكون قد فعل حراماً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يفر إذا لاقى) ولقوله: (إن لربك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً.. الحديث.. فأعط كل ذي حق حقه) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن لهم حق النفقة عليه)، فالضرر الذي يوقعه في نفسه، ويؤدي إلى عدم مقدرته على إعالة أهله حرام.

ومن أوقع في نفسه ضرراً حراماً وظل على قيد الحياة، عوقب عقوبة تعزيرية، لأنه ارتكب في حق نفسه جريمة نهى الشرع عنها نهياً جازماً، ودليل ذلك ما ورد في الحديث التالي: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، إذ قال له رجال من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: وأيكم مثلي، أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلاك، فقال صلى الله عليه وسلم: لو تأخر لزدتكم، كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا) والتنكيل من الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا على فعل حرام، والفعل في هذا الحديث يشمل مخالفتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل مواصلتهم الصوم دون إفطار أو سحور، وهو مما يلحق الضرر بالجسم، بحيث لا يستطيع الإنسان معه أن يقوم بما عليه من واجبات، فالتنكيل من الرسول صلى الله عليه وسلم بهم، كانت عقوبة تعزيرية على قيامهم بفعل حرام.

 

الضرر الناتج عن الأعمال المشروعة والأشياء المباحة:

 

ذكرنا أن إيقاع الإنسان الضرر بنفسه قد يكون مندوباً، وقد يكون مكروهاً أو حراما ً، استناداً إلى واقع الضر وإلى واقع الأدلة الشرعية المنطبقة على هذا الواقع.

أما الضرر الناتج عن الأفعال الجائزة شرعاً، كالمشي، وعن تناول بعض المطعومات المباحة، فإن الضرر إن لم يؤد إلى الهلاك، ولم يمنع صاحبه من القيام بالفروض، فإنه مباح، ولا يمنع من الإتيان بهذه الأعمال المشروعة، ولا من تناول المواد المباحة، فالصوم وإن أدى إلى صداع لا يمنع إلى قيام بالفروض يظل مطلوباً، وقيام الليل وإن أدى إلى تعب القدمين يظل مندوباً، وتناول القهوة والشاي، وإن أدى إلى قلة النوم التي لا تمنع من القيام بالفروض يظل مباحاً .

أما إن كان عمل من هذه الأعمال  أو غيرها، وتناول شيء من المباحات يؤدي بالشخص إلى ضرر مهلك أو ضرر مؤدٍ للهلاك، أو ضرر يمنع صاحبه من القيام بالفروض المطلوبة منه شرعاً، حرم ذلك الفعل أو ذلك الشيء على الشخص ذاته، وظل جائزاً لغيره .

وعندما يؤدي الضرر الحاصل من بعض الفروض كصوم رمضان، إلى عدم القدرة على القيام بفرض آخر بالجهاد، عندها يبحث عن الدليل الشرعي لترجيح القيام بأحدهما، فقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين في إحدى الغزوات أن يشربوا ويأكلوا في نهار يوم من رمضان ليكونوا قادرين على ملاقاة العدو.