الإجتهاد ونقد العلماء

 

بعث الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى الناس كافة وختم بها الرسالات جميعها وجعل الإسلام هو المسيطر والمهيمن عليها يقول تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) .

 

وقد طلب الله تعالى الإيمان به وبما أنزل والالتزام بأوامره ونواهيه. وأوامر الله ونواهيه هي منهجه ورسالته التي أنزلها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهي الإسلام  فقد حدث أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال:(والّذي نفس محمّدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النّار) [رواه مسلم]

 

وقال تعالى : (قل يا أيّها النّاس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيلٍ) .


وحيث أن خطاب الشارع موجه إلى كل من سمعه  لقوله تعالى : (يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون). كان الأصل في المسلم - لأنه سمعه وآمن به- أن يبذل الجهد في فهم النصوص الشرعية أي أن يكون مجتهداً.

 

وحتى يكون المسلم المكلف مجتهداً لا بد من توفر الشروط والأدوات التي تؤهله للاجتهاد  وهي أن يكون مسلما عاقلاً عالماً بأصول اللغة العربية وأصول الفقه  والناسخ والمنسوخ أي أن تتوفر لديه المعارف اللغوية والمعارف الشرعية .

 

وواقع المكلفين أنهم يتفاوتون في الفهم والإدراك والتعلم، ولذلك كان من المتعذر على الجميع أن يستنبطوا جميع الأحكام الشرعية من الأدلة. لذلك فإن فرضية الاجتهاد تقع على الكفاية، بينما العمل بموجب الأحكام الشرعية هو فرض عين.

 

فمن يأخذ الحكم من الدليل مباشرة يكون مجتهداً أما من يسأل المجتهد أو العالم عن الحكم الشرعي فإنه يكون مقلداً له في الحكم الشرعي ، وهذا لا يعني أنه قلد شخصاً بالذات بل أنه قلد شخصا في أخذ الحكم الشرعي لأن المكلف مطالب بأخذ الحكم الشرعي لا بتقليد الشخص. وقد أجاز الإسلام التقليد قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون).

و العالمون بالأحكام الشرعية هم من أهل الذكر سواء أكانوا عالمين علم اجتهاد أم علم تلقٍ. والمقلد إنما يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة أو المسائل. وعلى ذلك فإن الآية تدل على جواز التقليد

 

ويجب أن يكون من المعلوم أن تقليد المجتهد يكون لأن ما استنبطه هو حكم شرعي له أدلته وليس لأنه رأي المجتهد الذي هو من عنده . وقد جاء النهي عن الأخذ بالرأي بهذا المفهوم أي أن يكون رأيا من عند الشخص نفسه، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم  "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"، متفق عليه

وقال الإمام علي (عليه السلام) : ( ما قصم ظهري إلاّ رجلان : عالم متهتك ، وجاهل متنسك ، هذا ينفّر عن حقه بهتكه ، وهذا يدعو إلى باطله بنسكه) .

 

وعن الزّبير بن خريقٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: خرجنا في سفرٍ فأصاب رجلاً منّا حجرٌ فشجّه في رأسه ثمّ احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التّيمّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلمّا قدمنا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العيّ السّؤال إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصر أو يعصب - شكّ موسى - على جرحه خرقةً ثمّ يمسح عليها ويغسل سائر جسده).

 

وإن الأخذ بالرأي ممن يسمون علماء لهو من اشد البلايا التي ابتلي بها المسلمون في عصرنا هذا. فلا يكفي أن نثق بقدر ومكانة الشخص أو العالم حتى نقلده لأن اعتبار أن رأي المجتهد حكماً شرعيا يرجع إلى اعتبار دليله .ومن هنا كان البحث عن اعتبار الدليل هو الأصل في اعتبار الأحكام الشرعية.

 

وكما  شدد الله الوعيد للذين يضلون الناس بآرائهم  وفتاويهم فقد  أثنى اللهُ تعالى على العلماء المخلصين في غيرِ ما موضعٍ من كتابِهِ العظيمِ، فقال جل وعلا:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } بل أشهد اللهُ هؤلاء العلماء على أعظمِ مشهودٍ وهو ألوهية الربِ جل وعلا فقال سبحانه :{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )  وقد نبه الله جل وعلا تنبيه من باب التعجب، فقال: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ }

  وقال صلى الله عليه وسلم: ( العلماء أمناء الله على خلقه) وقال ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات والأرضيين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير).

 

ولهذا فإن مسؤولية العالم تتضاعف أمام الله عز وجل لأنه سيحمل وزره ووزر من تبعه ،   ويجب على العالم أن يعطي الناس الأحكام الشرعية وفق النصوص الشرعية. يقول الله تعالى : (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون) .

 

ولقد كثر علماء السوء لأن حكام المسلمين يمرون بأزمات ويحتاجون لفتاواهم لتمرير أفكارهم ومخططات أسيادهم ، ولذلك فإن خير معين لهم في هذا من باع دينه وآخرته بعرض من الدنيا فحمل العلم ليماري به العلماء أو ليجاري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه   وقد رأينا من هؤلاء:

من يفتى بجواز مظاهرة الكفار على المسلمين.

 ومنهم من يفتي بالربا

ومنهم من يفتي بجواز ضياع فلسطين أو جزء منها.

ومنهم من يفتي بشرعية حكام المسلمين اليوم وأنهم ولاة أمور المسلمين .

ومنهم من يفتي بجواز خلع الحجاب عن المسلمات في دول الغرب

ومنهم من أفتى  للجنود المسلمين، في الجيش الأميركي، بجواز المشاركة في العدوان على العراق وأفغانستان،

ومنهم من أفتى بضرورة الاندماج الحضاري بين الحضارة الإسلامية والرأسمالية.

ومنهم   ومنهم...

ألم يسع هذا وأمثاله أن يسكت، فيكون شيطان أخرس، خيرًا من أن يحمل المعول ليهدم الإسلام ويضل الأمة .

انه ليس في الإسلام حصانة أو مكانة مقدسة للعلماء وهم ليسوا فوق النقد أو المحاسبة مهما علا شأنه فهو ليس معصوما ولا نبياً، فالخليفة عمر على مكانته قال أخطأ عمر وصدقت امرأة، فلا خير فينا إن لم نصوبهم ولا خير فيهم إن لم يتوبوا ويبينوا ويصلحوا.

 

وصدق في هؤلاء قول الله جل وعلا :{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}